مقالات

الجيلي إبراهيم يكتب: حوكمة المستقبل

الحلقة الثالثة: الاقتصاد غير الرسمي… الدولة التي تعمل خارج مؤسسات الدولة

ليست كل الأوطان التي تكابد عسرات اقتصاديّة تعاني بالضرورة من شُحّ في الموارد أو وهن في الطاقات؛ ففي كثير من الأحيان، يكمن الداء العضال في وجود اقتصاد هائل وممتد، يتحرك في الظل خارج الأقواس الرسمية، ضارباً أوتاده وفق شرائعه الخاصة، وبمنأى تام عن رادارات الرقابة، وموازين الإحصاء، وأعراف التنظيم.

وهنا تتبدى معضلة ما يُصطلح على تسميته بـ “الاقتصاد غير الرسمي”؛ ذلك الفضاء الشاسع من الحراك الإنساني الذي يزرع ويحصد، يصنع ويبيع، يوظف ويجني الأرباح الوفيرة، دون أن تمر دورته الدموية -ولو لمرة واحدة- عبر الشرايين الرسمية للدولة.
وفي طيف واسع من المنظومة النامية، لم يعد هذا النمط من الاقتصاد مجرد ظاهرة هامشية تقبع على أرصفة المجتمع، بل استحال عصباً مؤثراً ومكوناً بنيوياً في المشهد العام، إلى الحد الذي غدا فيه حجمه وحركته ينافسان -بل يبزان في أحيان كثيرة- قطاعات بأكملها من الاقتصاد المنظم والمحكوم بالقانون.

بيد أن جوهر الإشكالية لا يكمن في مجرد نشوء هذا النشاط أو رواج بضاعته كظاهرة طبيعية، بل في تمدده الطاغي الذي يفضي بالدولة إلى العجز عن الإحاطة بالصورة الاقتصادية الكلية، وتلمّس ملامحها الحقيقية.

فعندما تغدو الأسواق حافلة بحركة تجارية تمور خارج الأطر الهيكلية، وتتدفق السيولة النقدية في مسارات موازية بعيداً عن أروقة الجهاز المصرفي، وتتحرك الرساميل مجهولة الهوية دون توثيق يذكر؛ تصبح هيبة الدولة في التخطيط، وقدرتها على توجيه دفتها الاقتصادية، ضرباً من مكابدة المستحيل.

إن السياسات الاقتصادية الراشدة لا تُبنى إلا على مداميك من البيانات الصارمة والمؤشرات الدقيقة، وإذا ما ظلت مساحات شاسعة من جسد الاقتصاد مغيبة خلف حجب العتمة، فإن القرارات الاستراتيجية ستصدر -لا محالة- مبتورة، ومرتهنة لصورة مشوهة وناقصة للواقع.

ومن هذا المنعطف الضبابي، تولد وتتشابك سلسلة من التحديات الجسيمة.

أولها: انحسار كفاءة السياسات العامة؛ إذ تجد الدولة نفسها مرغمة على هندسة قرارات سيادية بالغة الحساسية -تتعلق بالنقد، والضرائب، وقنوات الإنفاق- بالاستناد إلى قراءات مشوبة بالقصور، لا تعكس الحجم الفعلي للمحيط الذي تبحر فيه.
وثانيها: تصدع قيم العدالة الاقتصادية؛ فبينما ينوء الكيان النظامي تحت أثقال الامتثال، ومرارة الضرائب، وصارم الرسوم، ينعم الطفيلى في فضاء الظل بالانعتاق من كل قيد، مما يولد مناخاً من المنافسة غير المتكافئة، ويثبط العزائم عن الهجرة نحو ضفة الاقتصاد الرسمي.

أما التحدي الثالث، فيتمثل في التآكل الصامت لصرح الثقة المؤسسية؛ فعندما تصبح المسارات الالتفافية أكثر جاذبية وعوائد من الأقنية الشرعية، تبرق إشارة ضمنية بليغة بأن فصيلاً وازناً من المجتمع الاقتصادي لم يعد يرى في النظام القائم الخيار الأكثر كفاءة أو الأعدل حماية.

على أن هندسة الحلول لهذه الظاهرة المتجذرة لا تنبغي، بحال من الأحوال، أن تنطلق من عقيدة المواجهة الصرفة أو المقاربة الأمنية الضيقة.

فالاقتصاد الموازي في حقيقته ليس إلا عرضاً لمرض أعمق، وليس مجرد رغبة جامحة في الانفلات من قبضة النظم؛ إذ هو وثيق الصلة بترهل الإجراءات، وارتفاع كلفة الامتثال، واستعصاء الخدمات المالية على البسطاء، وضيق الآفاق المفتوحة في حظيرة الاقتصاد المنظم.

ولأجل هذا، فإن النماذج الدولية التي سطر التاريخ نجاحها لم تقف عند حدود الزجر والعقوبات، بل عكفت قبل ذلك على جعل المنظومة الرسمية واحة جاذبة تتضاءل أمامها إغراءات الملاذات الموازية.
فكلما تهذبت الأنظمة وتخففت من أثقالها، وارتقت كفاءة الخدمة، وتجلت العدالة في البيئة الاستثمارية، تضاعفت قدرة الدولة الاستيعابية على جذب الأنشطة الشاردة طواعية إلى كنف الشرعية المؤسسية.
ومن شرفة الحوكمة، تكتسب القضية أبعاداً تتجاوز بريق الأرقام والتحصيل المالي إلى آفاق أرحب تلامس جودة وصناعة القرار الاقتصادي السيادي.
فالحكم الحصيف يقضي بأنه لا يمكن إدارة ما لا يمكن قياسه، ولا يمكن قياس ما لا يملك في سجلات البيانات وجوداً، ولا يمكن صياغة سياسات استراتيجية لواقع تفتقر المؤسسات إلى رؤيته بوضوح وجلاء.

ومن هنا، يتبدى أن صهر الاقتصاد غير الرسمي في البوتقة الرسمية ليس مجرد غاية مالية عابرة لتعظيم الإيرادات أو توسيع الماعون الضريبي، بل هو مشروع نهضوي مؤسسي، يهدف إلى إعلاء قيم الشفافية، والارتقاء بجودة المعطيات، ورفع كفاءة التخطيط الاستراتيجي، ومد حبال الثقة المتينة بين الدولة والفاعلين في فلكها الاقتصادي.

وفي عصر باتت فيه دقة المعلومة وحداثة المؤشر هما معيار السيادة، قد لا يكمن الخطر الأكبر في الحجم الإحصائي للاقتصاد الموازي بحد ذاته، بل في استدامة وجود فضاء اقتصادي شبحي يتحرك خارج فضاء الرؤية المؤسسية للدولة.

إن عظمة الاقتصادات وقوتها لا تقاسان بحجم ما تكتنزه في خزائنها من موارد فحسب، بل في مدى قدرتها على سبر أغوار نشاطها الحقيقي، وإدارته باقتدار تحت مظلة مؤسسية تجمع في نسيجها بين انضباط التنظيم، وحيوية الكفاءة، وقداسة الثقة.

* خبير الحوكمة وإدارة المخاطر واستدامة القيمة المؤسسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى