الصادق محمد أحمد يكتب: التداعيات الاستراتيجية لإحتمال إنفصال دارفور على السودان والمنطقة

(قراءة إستشرافية في تأثيرات إحتمالات إنفصال دارفور على وحدة السودان ومستقبل القوات المسلحة والتوازنات الإقليمية في منطقة الساحل والقرن الأفريقي)
لا ينطلق هذا المقال من إفتراض حتمية إنفصال دارفور، ولا من الرغبة في الترويج لهذا الخيار، وإنما من قناعة بأن إدارة الأزمات تبدأ بفهم جميع الاحتمالات، بما فيها تلك التي تبدو مستبعدة أو غير مريحة سياسياً , فالعواقب الناتجة من الأحداث الكبرى ستكون وخيمة إذا ما افترضنا أن حدوثها مستحيلاً ،أو لأنها لم تُؤخذ على محمل الجد في الوقت المناسب.
إن الحفاظ على وحدة السودان لا يتحقق برفض مناقشة المخاطر المحتملة أو التعامل معها باعتبارها من المحرمات السياسية، وإنما بفهم جذورها ومعالجة الأسباب التي قد تدفع إليها، وبين الإنكار والتسليم بالأمر الواقع، تبقى هناك مساحة واسعة للعمل السياسي والإصلاح المؤسسي وبناء مشروع وطني قادر على استيعاب التنوع ومعالجة مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى واقع يصعب تغييره .
اليوم وبعد الحرب التي اندلعت في أبريل ٢٠٢٣، وطرد مليشيات الدعم السريع المتمردة من جميع بقاع السودان ، وإنحسارها في رقعة محددة في دارفور غرب السودان ،عاد النقاش حول مستقبل دارفور ليطرح نفسه بقوة على المستويات السودانية والإقليمية والدولية بعد إعلان المليشيات عن تكوين تشكيلات أمنيه وعسكرية وقبلها إعلان مجلس رئاسي وحكومة موازية.
إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كانت دارفور ستنفصل غداً أو بعد سنوات، وإنما ما إذا كانت البيئة السياسية والعسكرية الحالية تنتج ظروفاً يمكن أن تقود مستقبلاً إلى مسار انفصالي أو شبه انفصالي ، فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الانفصال لا يبدأ عادة بإعلان الاستقلال، بل يبدأ عندما تنشأ على الأرض مؤسسات وسلطات تمارس وظائف الدولة خارج سلطة المركز ، ومع مرور الوقت قد تتشكل (دولة فعلية) تسبق الدولة القانونية، وتفرض نفسها على الواقع قبل أن تحظى بأي اعتراف رسمي ، لذلك ومن هذه الزاوية تكتسب التطورات الأخيرة في دارفور أهمية خاصة ، فالصراع بين القوات المسلحة ومليشيات الدعم السريع لم يعد مقتصراً على السيطرة العسكرية على المدن والطرق والمواقع الاستراتيجية، بل أصبح يتضمن محاولات لبناء هياكل سياسية وإدارية وأمنية مستقلة نسبياً عن الدولة المركزية من قبل المليشيات ، وبغض النظر عن المواقف السياسية تجاه هذه التطورات، فإن مجرد وجودها على الأرض يمثل تحولاً مهماً في طبيعة الحرب، لأن الفارق كبير بين قوة مسلحة تواجه الدولة وقوة تسعى إلى أن تحل محلها.
أشرت سابقاً إلى أن دارفور تمتلك خصوصية تاريخية وسياسية تجعلها مختلفة عن كثير من أقاليم السودان الأخرى، غير أن هذه الخصوصية لا تعني بالضرورة وجود مشروع إنفصالي متفق عليه داخل الإقليم ،صحيح أنه قد بدأت تظهر في بعض الأوساط السياسية والفكرية أطروحات تتعلق بالحكم الذاتي وتقرير المصير وإعادة تعريف العلاقة بين الإقليم والمركز ،ولكن رغم أن هذه الأطروحات لم تتحول إلى مشروع سياسي جامع، فإن انتقالها من هامش النقاش إلى المجال العام يعكس حجم التحولات التي شهدتها دارفور خلال العقدين الماضيين، ومع ذلك، لا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على وجود إجماع دارفوري واسع حول خيار الاستقلال، فالمواقف ما تزال متباينة بين مؤيد لوحدة السودان، ومطالب بإصلاح الدولة المركزية، ومناصر لصيغ أوسع من الحكم الذاتي.
تكتسب مواقف بعض الحركات المسلحة أهمية خاصة في أي نقاش حول مستقبل دارفور ،فبعض القيادات التي تشارك اليوم في القتال إلى جانب القوات المسلحة سبق أن طرحت أو ألمحت في مراحل مختلفة إلى أفكار تتعلق بحق تقرير المصير أو إعادة النظر في علاقة الإقليم بالمركز ،لا يعني ذلك بالضرورة وجود مشروع انفصالي موحد، لكنه يكشف عن هشاشة التوازنات السياسية التي نشأت بعد اتفاق جوبا للسلام ،ففي حال حدوث تحولات جذرية في ميزان القوى داخل دارفور، فإن مواقف هذه الحركات ستصبح عاملاً مؤثراً في تحديد اتجاهات المشهد السياسي والأمني مستقبلاً.
إذا افترضنا -نظرياً- تحقق سيناريو الانفصال -في مرحلة ما- فإن السودان سيواجه واحدة من أكبر التحولات الجيوسياسية في تاريخه الحديث ، الخسارة الأولى ستكون جغرافية، إذ تمثل دارفور جزءاً واسعاً من مساحة السودان وتشكل عمقه الاستراتيجي الغربي ، أما الخسارة الثانية فستكون اقتصادية نظراً لما يمتلكه الإقليم من موارد معدنية وثروة حيوانية وأراضٍ زراعية وموقع جغرافي يربط السودان بعمقه الأفريقي غرباً ووسطاً ، لكن الخسارة الأهم قد تكون سياسية وأمنية، لأن أي انفصال جديد سيعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة الدولة السودانية على إدارة التنوع وتحقيق التوازن بين المركز والأقاليم.
قد يبدو للبعض أن الانفصال سيضع حداً للصراع، إلا أن التجارب المماثلة تشير إلى أن مرحلة ما بعد الانفصال قد تكون أكثر تعقيداً من مرحلة الحرب نفسها ، فالقوات المسلحة السودانية ستجد نفسها أمام واقع إستراتيجي مختلف تماماً، يتمثل في حدود جديدة، وتهديدات أمنية جديدة، وبيئة إقليمية أكثر تعقيداً ،كما أن ظهور كيان مسلح أو شبه مستقل على الحدود الغربية سيضيف أعباء طويلة المدى إلى ملفات الأمن القومي السوداني ،ولهذا فإن دراسة هذا السيناريو، -حتى وإن بدا مستبعداً لدى البعض- تظل جزءاً من التفكير الاستراتيجي المسؤول الذي يهدف إلى الاستعداد للمخاطر قبل وقوعها.
من ناحية أخرى ذات أهمية، فإن أي تحول جذري في وضع دارفور سيجعل كردفان منطقة تماس مباشر بين المركز وأي سلطة جديدة في الغرب، الأمر الذي قد يحولها إلى ساحة تنافس أمني وسياسي واقتصادي مستمر، ويجعل مسألة إستقرارها عاملاً حاسماً في مستقبل السودان بأكمله، وهذا موضوع بالغ الأهمية سنتعرض له بالتفصيل في مقال آخر.
على الصعيد الاقليمي فمن الخطأ النظر إلى دارفور باعتبارها قضية سودانية داخلية فقط، فالإقليم يقع في قلب منطقة تتداخل فيها الروابط القبلية وشبكات التجارة والتهريب والهجرة والحركات المسلحة عبر الحدود ، كما أن أي تغيير جذري في وضعه السياسي ستكون له انعكاسات مباشرة على تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا، و سيؤثر على التوازنات الأمنية في منطقة الساحل بأسرها.
مصر ستنظر إلى أي تفكك إضافي في السودان باعتباره مسألة مرتبطة بأمنها القومي وإستقرار وادي النيل، بينما ستتابع دول الخليج التطورات من زاوية أمن البحر الأحمر والاستقرار الإقليمي ومستقبل الاستثمارات في السودان ،أما المجتمع الدولي، فرغم تمسكه حالياً بوحدة السودان ورفضه الاعتراف بأي كيانات موازية، فإن التجارب الدولية تشير إلى أن مواقف الدول الكبرى كثيراً ما تتأثر بالوقائع التي تفرض نفسها على الأرض أكثر مما تتأثر بالبيانات السياسية أو المواقف المعلنة ، و مع ذلك، فإن الإنفصال ليس السيناريو الوحيد الممكن ، فلا تزال هناك فرصة أمام تسوية سياسية شاملة تعيد دمج دارفور ضمن دولة سودانية موحدة، ولكن بصيغة أكثر قدرة على معالجة جذور الأزمة التاريخية، سواء عبر ترتيبات فيدرالية أوسع أو إصلاحات دستورية ومؤسسية تضمن مشاركة سياسية وتنموية أكثر توازناً بعد طرد المليشيات المتمردة من الاقليم ، ورغم ما يحيط بهذا المسار من صعوبات، فإنه يظل الأقل كلفة على السودان والمنطقة مقارنة بخيارات الانقسام أو استمرار الحرب المفتوحة.
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت دارفور ستنفصل، بل فيما إذا كانت الدولة السودانية قادرة على معالجة الأسباب التي تجعل مثل هذا السيناريو قابلاً للحدوث أصلاً ،فمستقبل السودان لن يُحسم فقط في ساحات القتال، بل في القدرة على بناء دولة تستوعب تنوعها وتعيد بناء الثقة بين المركز والأطراف ووضع جميع الاحتمالات على الطاولة والاستعداد لها قبل أن تتحول الأزمات السياسية والأمنية إلى وقائع جغرافية جديدة تلقي بظلالها القاتمة لعقود طويلة،
ليس المطلوب التسليم بأن انفصال دارفور أمر محتوم، و ليس من الحكمة أيضاً التعامل معه باعتباره مستحيلاً ،فالسياسة لا تُدار بالأماني، وإنما بقراءة الاتجاهات والاستعداد لمختلف الاحتمالات.

