حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: الرقمنة والجواز الأخير

(1)
نحن في السودان نهوى أوطاننا، هذه واحدة. والثانية: إن رحلنا بعيدًا، نُطرا خلانا… رحم الله أحمد المصطفى. أما الثالثة، فلدينا أشواق إلى الدولة المرقمنة، أو الدولة الرقمية، وإن شئت فقل: الدولة التي تُدار بالتكنولوجيا الحديثة.
نريد أن نتجاوز دولة الصفوف والورق والتكدس البشري، الدولة التي أصبحت مكاتبها ليست في المباني، وإنما معانٍ في غرف إسفيرية. هذه هي سمات الدولة الحديثة.
ولكن يبدو أنه لسه بدري علينا… ليس لجهلٍ بالتقانة التي أصبحت مشاعة وعلى قفا من يشيل، ولا لعجزٍ في عقولنا، فشافعنا اليوم يتلاعب بالهاتف الذكي ويصل به إلى جد حبوبة ميسي، وإنما للمحقة… نعم، المحقة في الدولة السودانية. المحقة هي التي ظلت حاجزًا بيننا وبين الرقمنة، وهي مقصودة لحاجة في “نفيسة” سدنة الدولة أم ورق.
ألا قل لي، بربك، في معظم دول العالم حولنا اليوم، المواطن يجدد رخصته وجواز سفره من منزله، وإذا أراد السفر بأي وسيلة يحجز رقم مقعده من منزله، وقسيمة الزواج والطلاق تأتيه في مكانه. انعدمت صفافير الطريق إلا عندنا. أي مخالفة مرورية تجدها أمامك ساعة الترخيص، وتدفعها وأنت صاغر من البيت، وأي ضريبة تدفعها من سريرك، ونحن لا نزال مع شبيحة الطرق القومية المتآكلة.
(2)
في الأيام الفائتة ذهبت لتجديد جواز سفري. طبعًا كان لا بد من سفر، فوجدت العلاقات البينية في الخرطوم هي الأقرب جغرافيًا.
كانت البداية بتصوير الجواز، ثم التقديم والجلوس لانتظار التصديق. جلسنا، وبعد قليل نادى المنادي، فاستلمنا ورقة التصديق.
ثم الدفع لجهتين: 48 ألفًا خاصة بالعلاقات البينية “لخدماتها المتميزة”، وهذه بتطبيق “فوري” فقط، وما عندك “فوري” تدفع كاش.
طيب، ما معاي كاش…
تطلع إلى جماعة خارج السور، ذهبنا إليهم وهم يحملون العملة في شنطهم، واحدة في “خرتاية”.
أها يا شاب، أنت عاوز كم؟
يا حاج، أنا بديك المبلغ المطلوب، وبعد داك إنت وذوقك.
دفعنا وأسلمنا الإيصال.
أها، رسوم الجواز 170 ألفًا… خد دا رقم بنكك.
قمنا بالواجب.
تمشي تصور التوريدة… شوية صف، وأي تصوير بألفين.
كدا عندك أربعة أوراق تحملها، وتذهب للتصوير الإلكتروني والبصمة.
ما قلت ليكم الدولة أم ورق؟
وجدنا صفًا خارج الغرفة يصل إلى خمسة أفراد، وصفًا داخلها يصل إلى عشرة، شيء وقوف وشيء جلوس، وأنت تحمل أوراقك الأربعة.
بعد التصوير والبصمة، والحمد لله على السلامة من زملاء الرحلة، تستلم إيصالًا صغيرًا للاستلام بعد أسبوع.
مجمل العملية أخذ حوالي أربع ساعات تقريبًا.
من الآخر كده، قبل خمس سنوات استخرجت ذات الجواز الذي يسمى إلكترونيًا من خدمات الجمهور بالسجانة، وأخذ مني حوالي ساعتين فقط.
مع ملاحظة أنه نفس التكدس من طالبي الخدمة والعساكر العاملين عليها. إن كان هناك ثمة فرق، فإن كافتيريا البينية راقية وغالية شوية.
أها، تقولي شنو وتقولي منو؟ ما كان أخير لينا الدولة أم ورق عديل؟
(3)
من الطرائف، عندما وصلت آخر كنبة التي منها إلى الكاميرا، أصبحت في مواجهة حضرة الصول الذي يشرف على التصوير والبصمات.
وكان بيني وبين الكاميرا ثلاثة شباب، فقال لهم:
“يا شباب، لو سمحتوا قدموا عمكم الحاج دا عليكم.”
فقلت له:
“ما في مشكلة، الحكاية قربت.”
فأصر قائلًا:
“معليش يا حاج، والله لو شفناك ما كنا خليناك تقيف في الصف.”
فانزاح الشباب، فقلت لهم ملاطفًا:
“إنتو لسه قدامكم كم تجديد، لكن أنا بالنسبة لي قد يكون آخر جواز.”
عام 2020 ذهبت لتجديد رخصة القيادة، وكان معي (الشيخ) عاطف حسن يوسف، والقوسان ديل مهمان جدًا.
فانتهينا من الشغلانة بسلاسة، فكتبت عن طرائف ذلك اليوم، الذي سمعت فيه الكثير من دجل “الشيخ”، تحت عنوان “رحلة الرخصة الأخيرة”.
وعندما حان موعد تجديدها في 2025، كانت عند الدعامة مع سيارتها. لا أدري أين هي الآن، في نيالا أم في دوالا بالكاميرون، فالكوريلا كانت حلوة… يا حليلها.
وبالطبع، ليس في البال ولا في الأحلام نية، أو رغبة، أو قدرة على مسك الدركسون مرة أخرى، فبالفعل كانت آخر رخصة.
أسأل الله من كل قلبي أن تجدد أجيال السودان القادمة رخصها وجوازاتها من منازلها، وألا يذهب الواحد إلا للبصمة والصورة، وفي اليوم والساعة المحددين سلفًا.
بالله ما تبالغوا وتقولوا لي: كلها يمكن أن تتم في البيت.

