قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: هل الخماسية تعلم أن فاقد الشيء لا يعطيه..!!

“فاقد الشيء لا يعطيه” قاعدة عقلية ومنطقية قبل أن تكون فقهية. فكيف نطلب الديمقراطية ممن لم يمارسها داخل بيته؟ وكيف نطلب التنمية ممن عاش 70 سنة على صراع الكراسي؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه على “الخماسية” وأخواتها من أحزاب أديس أبابا.
أولاً : أحزاب غير ديمقراطية.. ففاقدة لشرعية التمثيل
1. ديكتاتورية داخلية: اذهب لأي حزب من أحزاب “الخماسية” واسأل: متى كانت آخر انتخابات داخلية؟ ستجد رئيس الحزب جاثم على الكرسي 30-40 سنة. حزب الأمة، الاتحادي، الشيوعي… كلها موروثة كالملكية. فاقد الديمقراطية داخله كيف سيصدرها للوطن؟.
2. توريث لا تداول: الابن يرث الحزب من الأب، والصهر من الحمو. تحولت الأحزاب لعائلات حاكمة، لا مؤسسات. الكواكبي قال: “المستبد يربي أبناءه على الاستبداد.”
3. إقصاء الكفاءات: العضو الشاب المبدع يُهمّش لأنه “ليس من الأسرة” أو “ليس من الشلّة”. فتصبح الأحزاب حاضنة للفاشلين المطيعين، لا للعباقرة المتمردين.
4. قرار فرد واحد: اجتماع المكتب السياسي = إعلان يكتبه الرئيس. الشورى غائبة، والنقد ممنوع. فكيف تطلب منهم حكماً شورياً لكل السودان؟
فاقد الديمقراطية داخل غرفته، مستحيل يعطيها للوطن.
ثانياً : عاجزة عن التطبيق.. لأنها لا تمثل إلا نفسها
1. حضور أديس لا يساوي تمثيل السودان: جلست 5 أحزاب في فندق بأديس ووقعت على إعلان. طيب أين الفور؟ أين البجا؟ أين الإدارات الأهلية؟ أين النقابات؟ أين الشباب الذي مات في الميدان؟ التوقيع في الخارج لا يمنحك تفويض الداخل.
2. برامج فضفاضة لا تُطبّق: خطابهم “دولة مدنية، عدالة، حرية”. كلام جميل. لكن اسألهم: ما خطتك لتشغيل ميناء بورتسودان؟ ما حلك لمشكلة الرعي والزراعة في دارفور؟ ما رؤيتك لسعر الدولار؟ الجواب: صمت أو شعارات. لأنهم بارعون في الهدم، عاجزون عن البناء.
3. تجربة الحكم فشلت: حكموا في 1956، وحكموا في 1986، وحكموا في 2019. النتيجة في كل مرة: انقسام، فشل اقتصادي، وانقلاب. التجربة أثبتت أنهم “خبرة في المعارضة، فشل في الحكم”.
فاقد الخبرة الإدارية لا يمكنه إدارة دولة بحجم قارة .
ثالثاً : متهمة بتأجيج الحرب لمصلحة وجودها في السلطة
وهذه التهمة الأخطر، وللأسف عليها شواهد:
1. الحرب وقود بقائها: متى ما توقف القتال وجلس الناس للبناء، سيسألهم الشعب: “ماذا قدمتم في 70 سنة؟”. لذلك بقاء حالة ” اللا سلم واللا حرب ” يبقيهم في المشهد. هم أبطال المرحلة الانتقالية، لكنهم أشباح في مرحلة البناء.
2. خطاب الكراهية والاستقطاب: بدل خطاب ” سودانيون ضد الخراب “، يروجون لخطاب “فلول و ثوار”، “عرب و زرقة”، “مركز و هامش”. يفرقون ليحكموا، كما قال الكواكبي: “المستبد يفرق الرعية”.
3. الرهان على الخارج: يجوبون أديس وأبوظبي وواشنطن يبحثون عن اعتراف أجنبي، لا عن رضا شعبي. لأنهم يعلمون أن الشارع السوداني كشفهم. فصاروا جزءاً من لعبة المحاور الإقليمية، والوطن هو الضحية.
4. المزايدة على الدماء: كل طرف منهم يستخدم جث القتلى سلّماً للوصول للسلطة. “نحن نمثل الضحايا” شعارهم، لكنهم أول من يرفض أي حل يوقف نزيف الدم إذا لم يضمن لهم كرسي.
فاقد الوطنية لا يمكنه أن يكون حارساً للوطن .
رابعاً : غير مؤهلة لتنمية البلد.. بشهادة التاريخ
1. اقتصاد الشعارات لا الأرقام: 70 سنة ولم يقدم حزب واحد خطة اقتصادية من 10 صفحات قابلة للتطبيق. كلهم يعرفون كيف ” يسقطوا النظام ” لكن لا أحد يعرف كيف ” يشغل المصنع.”
2. هروب الكفاءات: تحت حكمهم هاجر أطباء ومهندسو السودان. لأن المناخ الحزبي طارد للعقل، مرحّب بالولاء. دولة بلا كفاءات = دولة فاشلة.
3. إدمان المعونات: حلهم للأزمات دائماً ” المجتمع الدولي يدفع”. لم يفكروا يوماً كيف نجعل السودان يصرف على نفسه من ذهبه وقطنه وثروته الحيوانية.
4. عقلية الغنيمة: نظروا للوزارات كـ”غنائم تقسّم” لا كـ”مسؤوليات تُحاسب”. وزارة الصحة لحزب، والمالية لحزب آخر. النتيجة: فشل في الكل.
فاقد رؤية التنمية لا يبني وطناً، بل يبيع وطناً.
الخلاصة : الدواء ليس بيد المريض
الخماسية وأخواتها مريضة بمرض “الزعامة الأبدية” و “عقدة المؤامرة”. فاقدة للديمقراطية، فاقدة للخبرة، فاقدة للوطنية الجامعة.
لذلك لا يمكن أن تكون هي الطبيب. الطبيب يجب أن يكون تكنوقراطيا محايداً، بلا انتماء حزبي، همه الوحيد إنقاذ المريض – أي السودان.
نحن لا نكرههم كأشخاص. لكننا نرفض أن يمسكوا مقود طائرة وهي تحترق، وهم لم يتعلموا القيادة أصلاً.
كما قال الكواكبي: “الاستبداد أعظم بلاء تبتلى به الأمم”. واستبداد النخب الحزبية أخطر من استبداد الفرد، لأنه استبداد جماعي باسم “الديمقراطية”.
الحل: تجميد هذه الأحزاب 5 سنوات، وإعطاء الفرصة لحكومة كفاءات تبني، ثم نعود لانتخابات حقيقية بعد أن نملك دولة ننتخب فيها، لا خرابة نتصارع عليها.
السودان أكبر من أديس، وأكبر من الخماسية، وأكبر من صراع الكراسي.

