الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: هل يتم المطالبة بانفصال درافور؟

في خضم الأزمات المتلاحقة التي يعيشها السودان، تتصدر عبارة “مهمشون” واجهة الخطاب السياسي والعسكري، خاصة من قبل بعض الحركات المسلحة في إقليم دارفور. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل هذه العبارة تعبر عن حقيقة واقعة، أم أنها أصبحت أداة لخدمة أجندة خاصة، وغطاءً للمطالبة بالانفصال؟ والأهم: ماذا لو حدث الانفصال فعلاً؟ هل سيكون رحمة للشعب السوداني الذي سئم الابتزاز، أم كارثة جديدة؟.
كيف انطلقت عبارة “مهمشين” لخدمة الحركات المسلحة؟
منذ اندلاع الصراع في دارفور، رفعت حركات مسلحة عديدة شعار “التهميش” كعنوان رئيسي لمطالبها. لكن المثير للانتباه أن معظم هذه الحركات، والتي انقسمت وتشظت إلى فصائل متقاتلة، لم تنبثق إلا من قبائل بعينها في دارفور. استغلت هذه الحركات مشاعر الغبن الموجودة لدى بعض أبنائها، وحولتها إلى وقود سياسي وعسكري، متجاهلة حقائق التنمية على الأرض. الغرض الحقيقي لم يكن تحقيق عدالة تنموية، بل الوصول إلى مناصب دستورية ومواقع قيادية في الدولة، والتحكم في مفاصل السلطة والثروة.
التهميش الحقيقي: الشمال والشرق يعانيان، ودارفور تزدهر
بينما ترفع تلك الحركات شعاراتها، فإن الأرقام والإحصاءات التنموية ترسم صورة مغايرة تماماً. التهميش الحقيقي، وبموجب أي دراسة إنصاف أو توزيع عادل للخدمات، لا يقع على دارفور أبداً. بل إن الإقليم يتمتع بكل الخدمات وسبل الحياة مقارنة بغيره. فمنذ عقود، خصصت الحكومات المتعاقبة مشاريع ضخمة لدارفور في الطرق والمدارس والمستشفيات وحفر الآبار، لكن هذا لا يُذكر.
أما التهميش الحقيقي، فيقع بكل قسوة على الأقاليم الشمالية وولاية الشرق بصفة خاصة. دعونا ننظر إلى مدينة بورسودان، الميناء الحيوي للسودان. تعاني هذه المدينة، إلى جانب مدينة سوكن، من أزمة حادة ومزمنة في أبسط مقومات الحياة: “ماء الشرب”. في مشهد يعيد للأذهان قوله تعالى: “وجعلنا من الماء كل شيء حي”. فهل هناك تهميش أكبر من أن تحرم منطقة من الماء، أساس الحياة.
هل التهميش مجرد عذر أقبح من الواقع؟
تحت هذه المعطيات، لا يمكننا إلا أن نصف عبارة “التهميش” بأنها أصبحت مجرد عذر أقبح من الذنب. إنها حجة تتشبث بها بعض الحركات المسلحة وقبائل دارفور لتبرير العنف والتمرد، وللاستمرار في الضغط على الدولة. الحقيقة أن أبناء دارفور، منذ عهد دولة الاستقلال عام 1956، لهم نصيب كبير ومقدر في قيادة الدولة وتولي المناصب السيادية والعليا، من رئاسة الوزراء إلى السيادة إلى الوزارات. هم جزء أصيل وفاعل، لكن للأسف، لا يشكر البعض منهم الله على هذه النعم، ويصرون على لعب دور الضحية الأبدية.
الكارثة التي صنعت في نفوس السودانيين.. والسؤال عن الانفصال هذا الاستغلال المتكرر لعبارة (مهمشين) أوقع كارثة حقيقية في نفوس الشعب السوداني. لقد سئم المواطن البسيط في الخرطوم أو كسلا أو دنقلا من سماع هذه الشعارات وهو يعيش هو نفسه في تهميش قاتل يفتقر فيه للماء والكهرباء والدواء. وصل الأمر بالكثيرين إلى الاعتقاد بأن “الانفصال ربما يكون فيه رحمة كبرى.”.
لذا، نطرح السؤال العام لكل الشعب السوداني: ماذا لو تم انفصال دارفور؟ هل سيرتاح باقي الشعب السوداني ويستنشق الصعداء بعد أن يتحرر من ابتزاز حركات “مهمشون”؟ أم أن الأمر مختلف؟ هل يتمسك بعض أبناء دارفور بالوحدة فقط لمواصلة عملية الابتزاز؟ إنهم يستخدمون الوحدة كورقة ضغط كلما شعروا أن مكاسبهم تتراجع، فيصرخون: “نحن مهمشون، أعطونا المزيد.”
آخر المداد:
عبارة كاذبة وواقع مرير مع العلم أنا ضد الانفصال لكني أعكس راي ما يدور في الوسائط الاكترونية الإعلامية، وفي اعتقادي الصريح، أن الشعب السوداني قد وصل إلى مرحلة متقدمة من السأم والضيق من عبارة “أهل دارفور مهمشون” التي تطلقها الحركات المسلحة. إنها عبارة كاذبة، لا تمت للحقيقة بصلة حسب إحصاءات التنمية في عموم ولايات السودان. فالمناطق الأكثر حرماناً هي الشمال والشرق، وما لم يدرك الجميع هذه الحقيقة، ويتم التعامل مع التهميش بشكل عادل وليس انتقائياً، فإن الدعوات إلى الانفصال لن تهدأ. عندها، قد يجد السودان نفسه مضطراً لخيار الانفصال كحل أخير، ليكون راحة لمن سئم الابتزاز، وعبرة لمن لا يشكر النعم.

