كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: سم الأفعى – النسخة السودانية

إن من سنن الله في الكون أن تظل الأرض والماء والمعادن والشعب مجالًا خصبًا للملأ من أهل العقائد الذين تحركهم النبوءات، وحلمهم بالسيطرة على العالم كله وحكمه تحت رايتهم وعظمة سلطانهم.
إنه التنبيه للأمة حتى لا تمشي مكبة على وجهها، فلن يعيشوا في سلام.
﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾ [البقرة].
إنهم سوف يستخدمون كل الوسائل لغايتهم.
ولقد جاء دور السودان حسب التوقيت.
السودان البلد المؤمن الطيب.
﴿إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ [القصص].
لقد نفث الثعبان سمه الذي ظل يستجمعه منذ العام 1897م، عندما اجتمع الملأ في سرية لاكتساح العالم كله، ولكن تم تسريب هذه البروتوكولات وظهرت للعالم.
سوف أنقل لكم بعض الفقرات من كتاب الأستاذ محمد خليفة التونسي، الصادر عام 1947م، بين قوسين، وسوف ترون كيف تم خداعنا، وقد حان دورنا لنتجرع سم الأفعى.
جاء دورنا حسب طموحهم:
(إن لنا طموحًا لا يحد، وشرهًا لا يشبع، ونقمةً لا ترحم، وبغضاء لا تحس. إننا مصدر إرهاب بعيد المدى).
جاءت النسخة السودانية حسب المواصفات:
(إننا نسخر في خدمتنا أناسًا من جميع المذاهب والأحزاب، من رجال يرغبون في إعادة الملكيات، واشتراكيين، وشيوعيين، وحالمين بكل أنواع الطوبيات، ولقد وضعناهم جميعًا تحت السرج، وكل واحد منهم على طريقته الخاصة ينسف ما بقي من السلطة، ويحاول أن يحطم كل القوانين القائمة).
(يجب أن يساس الناس كما تساس قطعان البهائم الحقيرة).
(الذهب أقوى الأسلحة لإثارة الرأي العام، وإفساد الشبان، والقضاء على الضمائر والأديان والقوميات ونظام الأسرة، وإغراء الناس بالشهوات البهيمية الضارة، وإشاعة الرذيلة والانحلال حتى تستنزف قوى الدولة).
لم تكن ثورتنا – للأسف – خبط عشواء، ولكنها كانت نبت شيطان حسب أوان ظهورها.
(قوة الجمهور العمياء لا تستطيع البقاء يومًا واحدًا بلا قائد).
(لقد مضى الزمن الذي كانت الديانة فيه هي الحاكمة).
بدأ السم الزعاف:
(منذ اليوم الذي أوحينا فيه إلى العامة بفكرة حقوقهم الذاتية، أخذوا ينظرون إلى الملوك نظرهم إلى أبناء الفناء العاديين، ولقد سقطت المسحة المقدسة عن رؤوس الملوك في نظر الرعاع، وحينما انتزعنا منهم عقيدتهم هذه انتقلت القوة إلى الشوارع، فصارت كالملك المشاع، فاختطفناها).
تحولت السلطة إلى الشارع، وأصبحت الدولة ألعوبة بين أيديهم.
حرية، سلام، وعدالة.
(وحينما حققنا نظام الدولة باسم الحرية، تغيرت سحنتها السياسية، وصارت الدولة موبوءة بمرض مميت، وهو مرض تحلل الدم، ولم يبق لها إلا ختام سكرات الموت).
نعم، بدأ السم يسري.
(يمكن ألا يكون للحرية ضرر لو أن الحرية كانت مؤسسة على العقيدة وخشية الله، وعلى الأخوة الإنسانية).
ولكن أرادوها حرية علمانية.
(كلمة الحرية تزج بالمجتمع في نزاع مع كل القوى. الحرية رمز الوحشية الذي مسخ الشعب حيوانات متعطشة إلى الدماء، وإذا لم تعط الدم فلن تنام، بل سيقاتل بعضها بعضًا).
أما العدالة عندهم فهي العنف والطيش.
(إن العنف الحقود وحده هو العامل الرئيس في قوة العدالة، فيجب أن نتمسك بخطة العنف والخديعة).
ولكن من سيحقق لهم هذا، ويسقي شعبه السم؟
(وسنختار من بين العامة رؤساء إداريين ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فن الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا في أيدي مستشارينا العلماء).
وماذا عن الشعب المغلوب على أمره؟
(يكفي أن يعطى الشعب الحكم الذاتي فترة وجيزة لكي يصير هذا الشعب رعايا بلا تمييز، ومنذ تلك اللحظة تبدأ المنازعات والاختلافات، التي سرعان ما تتفاقم فتصير معارك اجتماعية وتندلع النيران).
رسمت الخطة بكل دهاء حسب تحليل السنن.
(كل جمهورية تمر خلال مراحل متنوعة: أولها فترة الأيام الأولى لثورة العميان التي تكتسح وتخرب ذات اليمين وذات الشمال، والثانية هي حكم الغوغاء الذي يؤدي إلى الفوضى ويسبب الاستبداد. إن هذا الاستبداد، من الناحية الرسمية، غير شرعي، فهو لذلك غير مسؤول، ولذلك سيكون أعظم جبروتًا وجسارة).
ستكون من القوى المدنية.
(هؤلاء القوم سيعرفون أسرار الحياة الاجتماعية، فسيتمكنون من كل اللغات مجموعة في حروف وكلمات سياسية، وسيفقهون جيدًا في الجانب الباطني للطبيعة الإنسانية بكل أوتارها العظيمة المرهفة اللطيفة التي سيعزفون عليها).
هذا القطيع الخائب الذي خان الأمانة تم تدريبه بعناية.
(خطباؤنا هؤلاء سيكونون ثرثارين بلا حد، حتى إنهم سينهكون الشعب بخطبهم، وسيحد الشعب خطابه من كل نوع أكثر مما يكفيه ويقنعه).
(ولضمان الرأي العام يجب أولًا أن نحيره كل الحيرة بتغييرات من جميع النواحي لكل أساليب الآراء المتناقضة حتى يضيع الشعب في متاهاتهم).
تغيير المناهج.
(وعلينا أن نقدم كل هذه المبادئ في نظامهم التربوي كي نتمكن من تحطيم بنيانهم الاجتماعي بنجاح).
ولابد من مصادرة الأملاك بأي حجة.
(وفي السياسة يجب أن نعلم كيف نصادر الأملاك بلا أدنى تردد إذا كان هذا العمل يمكننا من السيادة والقوة).
ولابد من تشويه رجال الدين وأهل الدعوة.
(ولقد عنينا عناية عظيمة بالحط من كرامة رجال الدين في أعين الناس، وبذلك نجحنا في الإضرار برسالتهم التي كان يمكن أن تكون عقبة كؤودًا في طريقنا، وإن نفوذ رجال الدين على الناس ليتضاءل يومًا فيومًا).
ما هي مواصفات من يركب ثورة الشعوب؟
(وإنه لضروري لنا كي نبلغ ذلك أن لا يكون إلى جوانبنا في كل الأقطار شيء بعد إلا طبقة صعاليك ضخمة).
ولقد جاءوا حسب المواصفات.
(وكلاؤنا خرفان قطيعنا العميان، الذي يمكن بسهولة إغراؤهم بأي جريمة ما دامت هذه الجريمة ذات طابع سياسي).
أرادوا تحطيم دولة لها تاريخ في الحضارات، فنخروا في عظمها.
(فإذا آذينا أي جزء في الجهاز الحكومي، فستسقط الدولة مريضة كما يمرض الجسم الإنساني ثم يموت).
ولكن الحمد لله وجد الشعب المؤمن للسم ترياقًا، فهو شعب طيب الأعراق، يعصمه دين وأخلاق.
أما القطيع الذي قدم لنا السم، فإنه سوف يشربه وحده حتى النخاع، يتجرعه بكل استمتاع، بقدر المستطاع، وهذه هي نهاية كل عميل طماع.

