من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: يا حليل الفكي!

عقلاء المليشيا… ولا عقلاء فيهم، لكنني أتحدث بلغتهم التي يعرفونها، فالعاقل عندهم هو الذي ينهب ، والسياسي هو الذي لا يملّ من ترديد كلمة (الفلول).، أما الحصيف فهو الذي يجيد (التعريد) كلما ضاقت به السبل، هكذا انقلبت الموازين، وصارت المعايير عندهم مقلوبة، حتى أصبح الباطل حكمة، والنهب شطارة، والهروب تكتيكاً
المهم أن هؤلاء جلسوا مع زعيم التمرد في اجتماع قيل إنه خُصص لمناقشة إيجاد مخرج من مسرحية (الفكي …….) !
مجرد انعقاد مثل هذا الاجتماع يكشف أن ما كان يُقال بالأمس همساً أصبح اليوم حديثاً داخل الغرف المغلقة، وأن الحرب التي كانوا يصورونها على أنها طريق إلى النصر، بدأت تتحول في نظر بعضهم إلى عبء ثقيل لا يحتمل
استند أصحاب هذا الرأي إلى حقيقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وهي أن استمرار القتال العبثي الذي يقوده عبد الرحيم دقلو قد أودى بحياة أعداد كبيرة من عناصر المليشيا، وأكدوا، بحسب ما تردد، أن ما خسرته المليشيا في شمال كردفان وتخومها، وهي تُطارد من قبل القوات المسلحة، يفوق ما فقدته في الخرطوم والجزيرة ومناطق أخرى كانت في وقت من الأوقات مقابر مفتوحة لعناصرها إنها أرقام، والأرقام لا تجامل أحداً، خاصة عندما تتحول إلى قوائم طويلة من القتلى والجرحى
ولذلك لم يكن غريباً أن يحضر الاجتماع رئيس لجنة الشهداء والمسؤول عن ملف الجرحى والمصابين، ليقدم تقريراً وصفه من حضروا بالمحبط، تقرير حمل من الأرقام والوقائع ما جعل كثيرين يعضدون الرأي الداعي إلى البحث عن مخرج، بعدما اتضح أن كلفة الحرب أصبحت أكبر من قدرة المليشيا على الاحتمال
ولم يتوقف الأمر عند الجانب العسكري، بل امتد إلى جناحهم السياسي المسمى (تأسيس) ، فقد تحدث أحد الحاضرين مطولاً عن فشل هذا الكيان في تحقيق أي استقطاب دولي، كما أخفق في كسب التأييد الجماهيري، وظل مجرد لافتة تجمع أطرافاً متناقضة، يلعن بعضهم بعضاً، ويتبادل قادته الاتهامات والتخوين، حتى أصبحت الثقة بينهم عملة نادرة، إن لم تكن مفقودة تماماً، ومن المفارقات أن عبد الرحيم دقلو نفسه لم يحضر ذلك الاجتماع، رغم أن الحديث كله كان يدور حول الحرب التي يقودها
انفض الاجتماع كما بدأ، بلا قرار حاسم. ويبدو أن الأمر يحتاج إلى مشاورات مع الكفيل أولاً، فهو صاحب القرار الحقيقي، أما البقية فليسوا سوى منفذين ينتظرون الإشارة. ولذلك لم يكن مستغرباً أن يخرج المجتمعون بلا نتيجة، لأن القرار لا يُصنع في القاعة التي اجتمعوا فيها، وإنما في مكان آخر
لا تهمنا كثيراً النتيجة التي سيصلون إليها، بقدر ما يهمنا أن المليشيا تعيش اليوم أضعف مراحلها في ظل تماسك وانفتاح وانتصارات القوات المسلحة كل يوم ، وما كان يُخفى داخلها بدأ يطفو على السطح، هذا الرأي سيجد مؤيدين، وسيجد معارضين، وربما يزداد عدد المؤيدين يوماً بعد يوم، لكن يبقى أن صوت المتشددين ما زال الأعلى، وعصاهم هي الأقوى في الوقت الراهن، غير أن ذلك لن يمنع حدوث مزيد من الانسلاخات والانشقاقات، فحين تتآكل الثقة، وتكثر الخلافات، يصبح الانقسام مسألة وقت لا أكثر
يقول السودانيون عن الجماعة التي دبّ الخلاف بينها: (قدّوا الشغل) وهي عبارة تختصر المشهد كله فالتماسك الذي كانوا يتباهون به لم يعد كما كان، والصورة التي حاولوا رسمها لأنفسهم بدأت تتشقق، وكل يوم يمر يضيف شقاً جديداً في ذلك الجدار
إني من منصتي أنظر … حيث اقول : يبقى السؤال: هل يستطيعون ترميم ما تصدع؟، أم أن قطار الانقسام قد غادر المحطة؟ الأيام وحدها ستجيب، لكن المؤشرات كلها تقول إن الجماعة… قدّوا الشغل…وياحليل الفكي ……! .

