محمد عثمان الرضي يكتب: الجنرال إبراهيم جابر.. هل يكون رجل المرحلة ورئيس الوزراء القادم؟

في لحظات التحولات الكبرى، لا تبحث الدول عن الأسماء اللامعة فحسب، وإنما عن الشخصيات القادرة على إدارة التعقيدات، وتحويل الأزمات إلى فرص، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
والسودان اليوم يقف أمام مرحلة استثنائية، تتطلب مراجعة شاملة لتجربة إدارة الدولة، وإعادة النظر في الأدوات والوجوه التي تتولى قيادة الملفات التنفيذية والسياسية والاقتصادية.
ومن بين الأسماء التي تفرض نفسها بقوة في هذا التوقيت، يبرز اسم عضو مجلس السيادة، الفريق بحري مهندس إبراهيم جابر إبراهيم، بوصفه أحد الشخصيات التي تمتلك خبرة واسعة في إدارة الملفات المعقدة.
قد تختلف الآراء حول الأسماء المرشحة لقيادة الجهاز التنفيذي، لكن من الصعب تجاوز تجربة إبراهيم جابر أو التقليل من حضوره في عدد من الملفات الوطنية الكبرى.
فالرجل جمع بين الخلفية العسكرية التي تقوم على الانضباط والحسم، والتأهيل الأكاديمي الذي يمنح صاحبه القدرة على التحليل والتخطيط وإدارة المشروعات.
وهو خريج جامعة الخرطوم، كلية الهندسة، وهي خلفية علمية انعكست على طريقة تعامله مع الملفات التي أُسندت إليه، إذ بدا ميالاً إلى العمل المؤسسي والنتائج العملية.
لم يكن إبراهيم جابر اقتصادياً بالمعنى الأكاديمي التقليدي، لكنه اقترب من الملف الاقتصادي عبر الإدارة والمتابعة والتنسيق، واكتسب معرفة واسعة بتفاصيله وتعقيداته.
وفي بلد تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد، وتتأثر الأسواق بالقرارات الأمنية والإدارية، تصبح القدرة على الربط بين الملفات ميزة لا تقل أهمية عن التخصص الأكاديمي.
وقد شهدت الساحة السودانية محاولات متعددة لاختيار رئيس للوزراء من بين السودانيين العاملين في المنظمات الدولية، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الخبرة الخارجية قد توفر قبولاً إقليمياً ودولياً.
غير أن التجارب السياسية لا تُقاس بالسيرة الذاتية وحدها، ولا تُحسم بالوظائف الدولية أو العلاقات الخارجية، وإنما بمدى القدرة على إدارة الواقع الوطني بكل تعقيداته.
لقد كان رئيس الوزراء السابق الدكتور عبدالله حمدوك أحد النماذج التي عُلّقت عليها آمال كبيرة بسبب خبرته الدولية وعلاقاته الواسعة.
كما جاء الدكتور كامل الطيب إدريس بخلفية دولية وأكاديمية كبيرة، وتوقع كثيرون أن تسهم تجربته في فتح آفاق جديدة أمام السودان.
لكن التجارب أثبتت أن القبول الخارجي، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لإدارة دولة تواجه تحديات الحرب وإعادة الإعمار والاقتصاد والخدمات.
السودان في حاجة إلى رئيس وزراء يعرف مؤسسات الدولة من الداخل، ويدرك طبيعة التوازنات الوطنية، ويمتلك القدرة على التواصل مع مختلف القوى والفاعلين.
وهنا يبرز إبراهيم جابر باعتباره شخصية عملت داخل مؤسسات الدولة، وشاركت في إدارة ملفات متعددة، واكتسبت خبرة مباشرة في التعامل مع الأزمات.
كما أن علاقاته مع القوى والجهات المؤثرة محلياً وإقليمياً ودولياً قد تمثل رصيداً مهماً لأي مسؤول يتولى قيادة الجهاز التنفيذي خلال المرحلة المقبلة.
ومن أبرز الملفات التي ارتبط اسمه بها، ملف إعادة إعمار العاصمة القومية الخرطوم بعد تحريرها وعودة مؤسسات الدولة إليها.
تولى رئاسة اللجنة المعنية بإعادة الإعمار، وطرح رؤية لإعادة تشغيل المؤسسات والخدمات وتهيئة العاصمة لاستعادة دورها السياسي والإداري.
وقد بدأت اللجنة، بحسب ما ظهر من نشاطها، في تحريك عدد من الملفات ووضع تصورات عملية لمعالجة آثار الحرب والدمار.
غير أن استمرار أي مشروع وطني يحتاج إلى تنسيق مؤسسي واسع، وتوفير الموارد، وحماية الجهود من الصراعات والتجاذبات التي قد تعطل التنفيذ.
وتوقفت مسيرة اللجنة قبل أن تستكمل أهدافها، الأمر الذي فتح الباب أمام تساؤلات عديدة حول أسباب تعثر بعض مشروعات إعادة الإعمار.
اختار إبراهيم جابر الابتعاد عن الجدل، ولم يدخل في معارك إعلامية أو يطلق تصريحات تصعّد الخلافات، مفضلاً الصمت والعمل بعيداً عن الضوضاء.
لكن ابتعاده لم يكن نهاية لدوره، إذ أعاد رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان تكليفه برئاسة لجنة الاستقرار الاقتصادي.
وكان ذلك التكليف مؤشراً على استمرار الثقة في قدرته على إدارة الملفات التي تتطلب تنسيقاً بين مؤسسات الدولة والجهات الاقتصادية والمالية.
وبدأت اللجنة في وضع تصورات وخطوات لمعالجة اختلالات الاقتصاد، وعلى رأسها قضية استقرار سعر الصرف والحد من التقلبات التي أثرت على حياة المواطنين.
وتبقى معالجة الاقتصاد مسؤولية جماعية لا يمكن اختزالها في شخص أو لجنة، لكنها تحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على المتابعة واتخاذ القرار وربط المؤسسات ببعضها.
وقد اكتسب إبراهيم جابر لقب «رجل المهام الصعبة» نتيجة حضوره في عدد من الملفات التي احتاجت إلى جهد متواصل وإدارة دقيقة في ظروف استثنائية.
هذا اللقب لا يصنعه الخطاب، وإنما تصنعه القدرة على الحضور عندما تتعقد الملفات، والاستمرار في العمل عندما تتراجع الحلول السهلة.
وإذا كان السودان مقبلاً على مرحلة تتطلب حكومة تنفيذية أكثر تماسكاً، فإن اختيار رئيس الوزراء يجب أن يقوم على الكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز.
وقد يكون من بين الخيارات المطروحة أن يُحال الفريق بحري إبراهيم جابر إلى التقاعد، ثم يُكلّف بتولي رئاسة مجلس الوزراء، إذا رأت القيادة السياسية أن المرحلة تحتاج إلى خبرته.
ويبقى القرار في النهاية من اختصاص مؤسسات الدولة والجهات المخولة دستورياً، كما أن أي اختيار يجب أن يخضع لمعايير واضحة ومصلحة وطنية عليا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل يحتاج السودان إلى رئيس وزراء جديد يكتفي بإدارة الملفات، أم إلى شخصية تمتلك الخبرة والقدرة على تحريكها وإنجازها؟.
وهل تكون المرحلة المقبلة هي الفرصة التي ينتقل فيها إبراهيم جابر من إدارة اللجان والملفات إلى قيادة الجهاز التنفيذي بكامله؟
ربما لا يكون إبراهيم جابر الخيار الوحيد، لكنه بالتأكيد أحد الأسماء التي تستحق أن تكون حاضرة بقوة في أي نقاش جاد حول رئاسة مجلس الوزراء.
فالسودان لا يحتاج إلى رئيس وزراء يراقب الأزمات من خلف المكاتب، بل إلى قائد تنفيذي يعرف الدولة، ويقرأ الواقع، ويتحرك قبل أن تتحول المشكلات إلى أزمات أكبر.
وبين تجربة الماضي ومتطلبات المستقبل، يبقى اسم إبراهيم جابر مطروحاً بقوة، ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل يكون «رجل المهام الصعبة» هو رجل المرحلة القادمة؟

