مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: 127 مليون دولار لم تكسر إرادته… معاوية البرير يختار طريق الإنتاج

في زمن الحروب، تتعرض الأوطان لخسائر فادحة لا تقتصر على الأرواح والممتلكات، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والاستثمار والإنتاج، لتضع الجميع أمام تحديات غير مسبوقة.

ومن بين الذين دفعتهم الحرب إلى مواجهة هذه التحديات رجل الأعمال ورئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني معاوية البرير، الذي أعلن أن خسائره بلغت نحو 127 مليون دولار.

وبرغم ضخامة هذا الرقم، لم يظهر الرجل بمظهر المتذمر أو المستسلم، بل ظل مؤمناً بأن ما يفقده الإنسان يمكن أن يعوضه الله بالإرادة والعمل والصبر.

وبدعوة كريمة منه، توجهت إلى المنطقة الصناعية بالخرطوم للوقوف ميدانياً على مجمعه الصناعي الذي عاد إلى العمل بعد توقف فرضته ظروف الحرب.

وكانت أولى الملاحظات أن صوت الآلات عاد يملأ المكان، في مشهد يعكس إصراراً على استئناف الإنتاج رغم ما خلفته الحرب من آثار مؤلمة.

كما عاد المئات من العاملين إلى مواقعهم، يستأنفون أعمالهم بروح جديدة، بعد فترة من التوقف والقلق وعدم اليقين.

وشعرت بأن عودة هؤلاء العمال إلى وظائفهم لم تكن مجرد استئناف للعمل، وإنما عودة للأمل والاستقرار لعشرات الأسر التي تعتمد على هذه الوظائف.

ويحسب لمعاوية البرير أنه اختار العودة إلى الإنتاج في وقت لا تزال فيه التحديات الاقتصادية والأمنية قائمة، وهو قرار يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة والثقة.

فالاستثمار في مثل هذه الظروف لا تحركه الحسابات المالية وحدها، وإنما تحركه أيضاً القناعة بأن الأوطان لا تبنى إلا بالعمل.

وخلال حديثي معه، لمست قدراً كبيراً من التفاؤل، مقروناً بإيمان عميق بأن السودان يمتلك من الإمكانات ما يؤهله لتجاوز هذه المرحلة.

ويرى البرير أن دوران عجلة الإنتاج هو الطريق الأقصر نحو التعافي الاقتصادي واستعادة الثقة في مستقبل البلاد.

كما يؤمن بأن القطاع الخاص سيكون شريكاً أساسياً في إعادة الإعمار إذا توافرت البيئة المناسبة والداعمة للاستثمار.

ومن الجوانب الإنسانية التي لفتت انتباهي أن أبناءه وبناته عادوا إلى السودان بعد توقف دراستهم الجامعية، ليعيشوا ظروف وطنهم عن قرب.

وهي رسالة تعكس ارتباط الأسرة بوطنها، وإيمانها بأن المشاركة في أوقات الشدة لا تقل أهمية عن الاحتفاء بأوقات الرخاء.

وفي المقابل، فإن لكل أسرة ظروفها وخياراتها، ولا يمكن تعميم الأحكام على من اختاروا البقاء خارج البلاد.

أما البرير، فقد اتخذ قراره بالعودة، واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً يتمثل في استئناف الإنتاج مهما بلغت التحديات.

ويبدو واضحاً أن هذا القرار لم يكن انفعالاً عابراً، وإنما جاء نتيجة قناعة راسخة بأهمية العمل والإنتاج في تجاوز آثار الحرب.

فالاقتصاد لا ينهض بالخطب وحدها، وإنما ينهض بالمصانع التي تعمل، والمزارع التي تنتج، والأيدي التي تبدع.

ومن هنا، فإن عودة أي مصنع إلى الإنتاج تمثل إضافة حقيقية لمسيرة التعافي الاقتصادي.

ولم يخف البرير قلقه من الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار وتأثيره المباشر على تكلفة الإنتاج.

لكنه في الوقت ذاته لم يفقد ثقته في إمكانية تجاوز هذه الأزمة إذا أحسنت إدارة السياسات الاقتصادية.

ويرى أن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى رؤية واضحة، وقرارات مدروسة، وشراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص.

كما يؤكد أن المستثمر الوطني يظل أكثر حرصاً على استقرار بلاده، لأنه يرتبط بها بعلاقات تتجاوز المصالح التجارية.

ومن خلال تجربته الطويلة، اكتسب البرير خبرة عملية جعلته ينظر إلى الاقتصاد من زاوية الإنتاج لا المضاربات.

ولذلك يحرص دائماً على تقديم رؤى تستند إلى التجربة والممارسة، بعيداً عن المبالغات أو المجاملات.

ويصف كثيرون تجربته بأنها بدأت من الصفر، واعتمدت على الاجتهاد والعمل المتواصل في بناء المؤسسات.

كما ظل بعيداً عن الصورة النمطية التي ارتبطت ببعض من حققوا ثروات في ظروف استثنائية، وهو ما يجعل تجربته محل اهتمام ومتابعة.

وعلى الصعيد الرياضي، لا يزال البرير متمسكاً بانتمائه المعروف لنادي الهلال، وهو انتماء ظل يعتز به عبر السنوات.

غير أن اهتمامه الأكبر اليوم ينصب على عودة المصانع إلى العمل، باعتبارها المدخل الحقيقي لعودة الحياة الاقتصادية.

وختاماً، فإن السودان يحتاج في هذه المرحلة إلى نماذج تؤمن بالعمل أكثر من الأقوال، وتعتبر أن دوران عجلة الإنتاج هو الخطوة الأولى نحو استعادة الوطن لعافيته، وأن المستقبل يصنعه الذين يواجهون التحديات بالفعل لا بالانتظار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى