مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: أنا نصفُُ.. قد حوى كل المعاني

(فتاة الغد) أنشودة وطنية، وهي عمل فني متكامل يجمع بين الشعر الراقي، واللحن المتقن، والأداء الاستثنائي. أراد الراحل المقيم الفنان عبد الكريم الكابلي أن يقدم المرأة السودانية بوصفها صانعة للمستقبل، فجعلها تتحدث عن نفسها بثقة: (إنه صوتي أنا… زاده العلم سنا)، ليؤكد أن العلم هو مصدر القوة والكرامة، وأن المرأة ليست موضوعًا للغزل، بل شريكًا في بناء الوطن

لغة الكابلي هنا تمتاز بالرصانة والعذوبة، وتفيض بمفردات النور، والعلم، والمجد، والطهر، وهي لغة تحمل رؤية حضارية أكثر من كونها كلمات أغنية، كما أن الصور الشعرية جاءت مشرقة، فجعل المرأة (ابنة النور) و(أم الغد)، في تعبير يربط نهضة المجتمع بنهضتها

أما اللحن، فيتميز بتدرجه الهادئ وانسيابه، مع جمل موسيقية طويلة وانتقالات مقامية سلسة تعكس تصاعد الفكرة، بعيدًا عن الاستعراض، لقد لحن الكابلي النص ليخدم معناه، فجاءت الموسيقى امتدادًا للكلمة لا منافسة لها

صوت الكابلي كان أحد أهم عناصر خلود الأغنية، بصوته الدافئ، ومخارجه الواضحة، وتحكمه المذهل في النفس، وقدرته على التعبير عن المعنى قبل النغمة، استطاع أن يمنح الكلمات حياةً جديدة، حتى بدا وكأنه يحاور المستمع أكثر مما يغني له

إني من منصتي أستمع …. حيث أقول : في وجدان السودانيين، أصبحت فتاة الغد رمزًا للإيمان بالتعليم والنهضة، وظلت حاضرة في المدارس والجامعات والاحتفالات الوطنية، أما في وجدان المرأة السودانية، فهي أغنية اعتزاز وتقدير، لأنها قدمتها إنسانةً واعيةً ومتعلمةً، تحمل رسالة، وتصنع المستقبل، وتشارك في بناء وطنها ولذلك ستظل هذه الأنشودة القوية واحدة من العلامات المضيئة في تاريخ الغناء السوداني، ودليلًا على أن الفن العظيم لا يكتفي بإمتاع الأذن، بل يوقظ العقل ويخاطب الوجدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى