مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: الثعلب الذي أصبح دجاجة!

ما أغرب السياسة حين يتحول فيها من كان يصفق للجلاد إلى ضحية في سجونه، ومن كان يقرع الطبول للمليشيا إلى سجين ينتظر من يسأل عنه! إنها حكاية بعض الذين ظنوا أنهم يعرفون الثعلب ويأمنون مكره، حتى اكتشفوا متأخرين أنهم لم يكونوا سوى دجاج يسير خلفه إلى القن، مطمئناً إلى أن الريش يحميه من أنياب صاحبه!

المفارقة أن بعض الذين ساندوا المليشيا ودافعوا عنها، رغم ما تعرضوا له من انتهاكات ونهب وتشريد، لم يتعظوا بما أصابهم، ولم توقظهم صدمة فقدان الديار والممتلكات من غفلتهم ، بل مضى بعضهم في الطريق ذاته، يمتطي ظهر حمار ظهره متقيح ، ويقرع طبول المديح، وكأن ما جرى لهم لم يكن كافياً ليفتح أعينهم على حقيقة العلاقة التي ربطتهم بهذه القوة ، ومن بين هؤلاء من بلغ مواقع في هياكل سلطتها، حتى ظن أن القرب من أصحاب السلاح يمنحه حصانة لا تنتهي صلاحيتها!

لكن السياسة التي تُبنى على السلاح وحده لا تمنح أحداً ضماناً دائماً، والولاء الذي لا تحكمه مبادئ ولا تحميه مؤسسات يتحول عند أول خلاف إلى عبء على صاحبه واليوم، تتداول الأنباء عن وجود عدد من الشخصيات المحسوبة على المليشيا في سجن دقريس، وتقول أسر بعض المحتجزين إنهم اعتُقلوا في ظروف غامضة، إن المفارقة تستحق التوقف طويلاً، كيف يصبح من كان بالأمس في صفوف الجنجويد موضع اتهام اليوم؟ وكيف ينتهي من شارك في مشروع القوة إلى الوقوف أمام القوة ذاتها عاجزاً عن معرفة مصيره؟ هنا تتكشف هشاشة الولاءات التي لا تستند إلى قانون، وتظهر خطورة أن يظن المرء أن الانتماء إلى جماعة مسلحة يوفر له الأمان مهما تبدلت الظروف

في منظومة الجنجويد، يبدو أن الاختلاف في الرأي قد يتحول إلى تهمة، ورفض تنفيذ الأوامر أو إبداء موقف مغاير قد يفتح أبواب السجن أمام صاحبه، فبدلاً من الاعتراف بأن الاعتقال جاء نتيجة خلافات داخلية أو صراع على القرار، يُلصق بالمعتقل اتهام التعاون مع القوات المسلحة، ليصبح هذا الاتهام غطاءً جاهزاً لإخفاء الأسباب الحقيقية وراء احتجازه وهكذا قد يجد القائد الذي كان بالأمس جزءاً من المنظومة نفسه خلف القضبان، لا لشيء إلا لأنه خالف التوجه أو رفض الانصياع، ثم ينقطع خبره عن أسرته، وتظل ظروف اعتقاله ومصيره غامضين، إنها بيئة لا تحتمل الرأي الآخر، وتتعامل مع الاختلاف باعتباره خيانة، ومع الطاعة باعتبارها شرطاً للبقاء

هنا تكمن المفارقة التي تلخص عنواننا: الثعلب الذي ظن أن أنيابه تحميه، اكتشف أن القن الذي دخله بإرادته قد يتحول إلى سجنه! لقد ظن بعضهم أن التصفيق يمنحهم الأمان، وأن المديح يشتري لهم الحصانة، وأن القرب من أصحاب القوة يكفي لتأمين المستقبل لكنهم ربما نسوا أن القوة التي لا يضبطها قانون تستطيع أن تنقلب على أقرب حلفائها، وأن من يضع مصيره رهناً بمزاج السلاح قد يجد نفسه يوماً بلا سند ولا حماية

إني من منصتي أنظر… فأرى أن أخطر دقسة يرتكبها الإنسان هي أن يظن نفسه شريكاً في أنياب الثعلب، ثم يكتشف أنه مجرد فريسة مؤجلة ، الحكمة التي ينبغي ألا تغيب عن أحد: لا تجعل من يحرسك اليوم سيداً على مصيرك غداً، ولا تصفق لظلم غيرك ظناً أن الدور لن يصل إليك، فحين يسقط القانون، لا يحميك ولاؤك، وحين يتكلم السلاح، قد يصبح أقرب الحلفاء أول المتهمين!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى