مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: اصلي من دنياك مهاجر …

بعض الأغنيات لا نسمعها بآذاننا، بل نسمعها بالقلوب التي خبأت وجعها طويلاً، وبعض الأصوات حين تغني لا توقظ فينا اللحن وحده، بل توقظ أشخاصاً وأماكن وحكايات ظننا أن الزمن قد طواها، هكذا تفعل (مهاجر)!!، أغنية تبدأ بالرحيل، لكنها تنتهي باكتشاف الحقيقة الأصعب: قد تغادر من تحب، لكنك لا تستطيع أن تغادر ما زرعه فيك الحب!.

كتب كلماتها الشاعر الدكتور عبد العظيم أكول، ولحنها وغناها الفنان عصام محمد نور، وفازت بنجومية الموسم في مسابقة الإذاعة السودانية عام 1999م، ثم حمل ألبوم غنائي اسمها، لتصبح واحدة من التجارب التي تستحق التأمل في جماليات الأغنية السودانية.

في مدرسة أكول الشعرية، لا تحتاج المفردة إلى زينة زائدة كي تدهشنا، فهو يمتلك قدرة على تحويل اللغة البسيطة إلى صورة عميقة، والمشاعر المألوفة إلى شعر يلامس الروح، يقول: (أصلي من دنياك مهاجر، لي مواني بعاد ضفافا، زادي ريدك والاماني، رعشة الشوق والمسافة)!. يا لدهشة المفارقة! إنه يهاجر من دنيا المحبوب، لكنه يحمل حبها زاداً في رحلته، يغادر المكان ولا يغادره وجدانياً، وهنا تصبح المسافة وجعاً داخلياً، ويغدو الشوق رفيقاً لا يستطيع المسافر التخلص منه.

تتجلى لمسة أكول الجمالية في مزجه رهافة العاطفة بروح البيئة السودانية، وفي قدرته على تطويع المفردة المحلية لتصبح جزءاً أصيلاً من البناء الشعري. أما (بهجة عطرناها عفة)؟ فتحمل صورة تجمع الجمال بالطهر، وتمنح الحب معنى يتجاوز الرغبة إلى نقاء الشعور، وحين يقول (بفضح الشوق سر شقايا)!، يجعل الشوق شاهداً لا يمكن إسكات صوته، ثم يختتم برجاء (نبني ريدة بلا نهاية) ! لينقلنا من ألم الرحيل إلى أمل البقاء.

عصام محمد نور، فقد منح هذه الكلمات جناحين من اللحن والصوت وتكمن قيمة التلحين في الأغنية العاطفية في قدرته على ملامسة حركة النص، ومواكبة انتقالاته من الحنين إلى البوح ثم الانتظار

الموسيقى الناجحة لا تكرر ما تقوله الكلمات، بل تضيف إليه إحساساً تعجز اللغة وحدها عن نقله ، ويأتي صوت عصام بما يمتلكه من وضوح وأناقة في الأداء ليجعل الكلمة أقرب إلى القلب، ويمنحها حياة تتجاوز حدود قراءتها، هنا تتكامل موهبة الشاعر مع حس الملحن وأداء المطرب، فلا تطغى الموسيقى على الشعر، ولا يبقى الشعر أسيراً للكلمات.
لعل سر حضور (مهاجر) في وجدان المستمع السوداني أنها لا تحكي قصة عاشق وحده، إنها تفتح أبوابها لكل من أبعدته المسافات عمن يحب، ولكل من ترك خلفه بيتاً أو مدينة أو وجوهاً تسكن ذاكرته ، الغربة قد تكون عن الحبيب، وقد تكون عن الوطن، لكن الوجع واحد حين تظل الروح معلقة بما غاب عنها.

إني من منصتي استمع إلى (مهاجر) ، وأقول: هناك صاحب قلم عرف كيف يجعل الشوق قصيدة ! ، وفنان عرف كيف يجعل القصيدة لحناً يسكن الوجدان ، وأرى عملاً يختصر مأساة الحب وجماله في حقيقة لا يغيرها الزمن: ليس كل من يرحل يستطيع النسيان، وليس كل من يهاجر ينجح في مغادرة وطنه الحقيقي، فبعض الأوطان تسكن القلب، وبعض الأحبة يصبحون وطناً لا هجرة منه!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى