د. محمد عبدالله كوكو يكتب: نحو تأسيس وطني مستدام: قراءة في رؤية “تكوين” لبناء الدولة السودانية الحديثة

من أتون الأزمة إلى أفق التأسيس :
يمر السودان اليوم بمنعطف تاريخي دقيق ومفصلي تتجاوز تداعياته الخطيرة حدود الحرب الراهنة وما خلفته من دمار، لتكشف عن خلل بنيوي عميق في أساسات الدولة ومؤسساتها. إن الأزمة الحالية ليست سوى امتداد لإشكاليات مزمنة تتعلّق بطبيعة العلاقة بين المركز والأقاليم، وإدارة التنوع الثقافي والاجتماعي، واختلالات توزيع السلطة والثروة، وغياب سيادة القانون فضلاً عن طبيعة العلاقة الملتبسة بين المدنيين والعسكريين.
من هنا، كان لزاماً علينا في مبادرة تحالف الكيانات الوطنية السودانية (تكوين) أن نغادر مربع التسويات السياسية العابرة ومحاصصات النخب القديمة، لنطرح رؤية استراتيجية عميقة ومساراً وطنياً تأسيسياً لا يكتفي بإسكات أصوات الرصاص، بل يعالج الأسباب الجذرية التي أنتجت الحروب وأعادت إنتاجها مراراً وتكراراً.
التحول الجوهري من “من يحكم؟” إلى “أي دولة نريد؟”
إن جوهر مبادرة “تكوين” يرتكز على إحداث نقلة نوعية في فلسفة الحوار السوداني – السوداني؛ فالغاية لم تعد البحث عن تقاسم مؤقت للسلطة أو التساؤل التقليدي من يحكم؟، بل الانتقال الشجاع نحو السؤال الأعمق والأبقى أي دولة يريد السودانيون أن يبنوا؟ وكيف تُدار السلطة، وتُحمي الحقوق، وتُصان الموارد، ويُدار التنوع، ويُمنع نهائياً استخدام العنف لحسم الخلافات السياسية؟.
ولتحقيق هذه الغاية، لا يبدأ المسار بمؤتمر قومي قد يعيد تدوير أزمات النخب، بل ينطلق من قاعدة صلبة تبدأ بـ: الشرعية، الاستماع الوطني الواسع، المعرفة، التشخيص المشترك، الحوار الموضوعي المتخصص، والمشاركة المجتمعية الحقيقية وصولاً إلى المؤتمر القومي الجامع الذي ينتج العقد السوداني الجديد والمسار الدستوري والمؤسسي.
هندسة المسارات المتخصصة: الفصل الوظيفي والتكامل الوطني
تتميز رؤية “تكوين” باعتماد مبدأ الفصل الوظيفي بين الملفات مع ضمان التكامل العضوي بينها، وذلك لئلا تتعطل عجلة الحوار المجتمعي والسياسي بسبب تعقيدات الملفات العسكرية أو العدلية، وفي الوقت ذاته عدم ترك هذه الملفات المهمة خارج عملية التأسيس.
ويتجسد ذلك في مسارات واضحة:
المسار السياسي والدستوري: ويعنى بطبيعة الدولة، نظام الحكم، اللامركزية، وتوزيع السلطات والحريات العامة.
المسار العسكري والأمني: مسار وطني تفصيلي ومستقل وظيفياً يستهدف الوصول إلى وقف إطلاق نار دائم، دمج وتسريح الحركات المسلحة، حل المليشيات والتشكيلات غير النظامية، وبناء جيش وطني مهني موحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية، فضلاً عن ضبط النشاط الاقتصادي للمؤسسات العسكرية والأمنية.
مسار العدالة الانتقالية والمصالحة: لمعالجة الانتهاكات، جبر الضرر، كشف الحقيقة، وضمان عدم التكرار بمعزل عن المساومات السياسية المباشرة.
المسارات التخصصية الأخرى: تشمل الاقتصاد وإعادة الإعمار، الهوية والتنوع والمواطنة، التنمية والخدمات، ومشاركة الشباب والمرأة والمجتمع.
نحو العقد السوداني الجديد والدولة المستدامة:
إن مخرجات هذا المسار المتكامل لا تتوقف عند حدود الوثائق الورقية، بل تمتد لتنتظم في خطط تنفيذية دقيقة مرتبطة بجداول زمنية ومؤشرات قياس ومساءلة واضحة. كما تقترح المبادرة آليات عملية للمشاركة الشعبية الواسعة مثل (البرلمان الشعبي السوداني) لضمان بقاء المواطن شريكاً حقيقياً في صنع القرار لا مجرد متلقٍ له.
إننا في تحالف الكيانات الوطنية السودانية (تكوين) نؤمن بأن السودانيين لا يحتاجون إلى الاتفاق على كل تفصيلة، فهذا أمر غير واقعي؛ لكنهم بالتأكيد يملكون القدرة والإرادة للاتفاق على القواعد الكلية التي تجعل اختلافهم آمناً، سلمياً، ومنتجاً.
خلاصة قولنا وقاعدتنا الجامعة هي:
نختلف في الرؤية، ونتفق على الإنسان.
نختلف في السياسة، ونتفق على الوطن.
نختلف في الوسائل، ونتفق على الدولة والقانون.
نختلف في المصالح، ونتفق على قواعد عادلة لإدارتها.
من إدارة الأزمة إلى تأسيس الدولة، ومن وقف الحرب إلى بناء السلام المستدام، نمضي معاً لصياغة إرادة وطنية جامعة تصنع مستقبلاً يليق بعظمة وتاريخ الشعب السوداني.
* رئيس مبادرة تحالف الكيانات الوطنية السودانية (تكوين)

