مقالات

من أعلى المنصة.. ياسر الفادني يكتب: المدافع تُسقط اتفاق بريتوريا

كانت البنادق صامتة، لكنها لم تكن نائمة، كانت تنتظر فقط اللحظة التي تعود فيها لتعلن أن السلام الذي وُقِّع في بريتوريا لم يكن نهاية الحرب، بل استراحة محارب. واليوم، يعود إقليم تيغراي إلى واجهة الأحداث، وتعود معه الأسئلة الكبيرة: هل دخلت إثيوبيا حربًا جديدة؟ وهل يقف القرن الأفريقي على أعتاب زلزال سياسي وعسكري قد تتجاوز ارتداداته حدود أديس أبابا؟
الاشتباكات التي اندلعت بين الجيش الفيدرالي وقوات تيغراي بالأمس هي رسالة واضحة بأن الملفات التي ظلت معلقة منذ اتفاق السلام لم تجد طريقها إلى الحل، فالسلاح الذي كان يفترض أن يُسلَّم ما زال حاضرًا، والنزاعات على الأراضي لم تُحسم، والثقة بين الأطراف تبخرت قبل أن تُبنى

الأخطر أن المعارك تدور في مناطق ذات أهمية استراتيجية، وبالقرب من الحدود السودانية، ما يجعل أي توسع في رقعة القتال تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي، فالحروب في القرن الأفريقي لا تعرف حدودًا، وما يبدأ في تيغراي قد تنتهي آثاره في السودان أو إريتريا أو غيرهما من دول الجوار

وتزداد الصورة تعقيدًا مع الحديث عن تحركات إقليمية وترقب إريتري، في وقت تبدو فيه المنطقة وكأنها تعيد ترتيب تحالفاتها استعدادًا لمرحلة قد تكون أكثر اضطرابًا من كل ما سبق

لقد دفعت إثيوبيا في الحرب الأولى ثمنًا باهظًا من الدماء والاقتصاد والاستقرار، لكن عودة المدافع اليوم توحي بأن دروس الأمس لم تكن كافية لمنع تكرار المأساة ، وإذا استمر التصعيد، فإن اتفاق بريتوريا قد يتحول إلى وثيقة فقدت قيمتها على أرض الواقع، وتصبح الحرب مرة أخرى هي اللغة الوحيدة التي يتحدث بها المتقاتلون

إن ما يجري في تيغراي بالطبع هو جرس إنذار يدق بقوة في القرن الأفريقي كله

إني من منصتي أنظر …. حيث أري…. عندما تتعثر السياسة، تتقدم البنادق، وحين يغيب الحوار، يصبح صوت المدفع هو الأعلى، والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس: هل اندلعت الحرب؟ بل: إلى أين ستصل نيرانها هذه المرة، ومن سيدفع فاتورتها ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى