مقالات

نبض الناس.. خليل فتحي خليل يكتب: الموسم الزراعي 2026 في السودان… بين أتون الحرب، وقلة الأمطار، والتغيرات المناخية، وفقدان الأمن

كان السودان يُوصف لعقود طويلة بأنه سلة غذاء العالم العربي، وأحد أكبر البلدان الإفريقية القادرة على تحقيق الأمن الغذائي، بفضل موارده الطبيعية الشاسعة، وأراضيه الخصبة، وتنوع مناخه، واتساع رقعته الزراعية. لكن هذا الحلم الكبير يواجه اليوم اختباراً قاسياً، إذ يأتي الموسم الزراعي لعام 2026 وسط ظروف استثنائية ومعقدة، تتداخل فيها الحرب، والتغيرات المناخية، وشح الأمطار، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وفقدان الأمن في العديد من المناطق الزراعية، لتصبح الزراعة نفسها معركة من أجل البقاء.

إن نجاح أي موسم زراعي يقوم على ثلاثة عناصر رئيسية: الأمن، والأمطار، وتوافر المدخلات الزراعية. وعندما تتعرض هذه العناصر مجتمعة للاهتزاز، يصبح المزارع أمام تحديات تتجاوز قدرته الفردية، ويصبح الإنتاج الزراعي مهدداً بصورة مباشرة. وتشير تقارير حديثة إلى أن الموسم الزراعي الحالي يواجه ضغوطاً كبيرة بسبب استمرار الحرب، وتراجع التمويل، وارتفاع أسعار الوقود والأسمدة والتقاوي، إلى جانب المخاوف من انخفاض معدلات الأمطار في بعض المناطق.

لم تدمر الحرب المباني والبنية التحتية فحسب، بل عطلت أيضاً دورة الإنتاج الزراعي. فهناك مساحات واسعة أصبحت خارج دائرة الزراعة بسبب انعدام الأمن، أو نزوح المزارعين، أو صعوبة الوصول إلى الحقول، بينما تعاني مناطق أخرى من انقطاع طرق النقل، مما يزيد من تكلفة إيصال المدخلات الزراعية وتسويق المحاصيل. وأصبح كثير من المزارعين يزرعون وهم لا يعلمون إن كانوا سيتمكنون من حصاد محاصيلهم أو نقلها إلى الأسواق.

وفي المقابل، جاءت التغيرات المناخية لتضاعف حجم الأزمة. فلم تعد الأمطار تهطل وفق المواعيد المعتادة، وأصبحت مواسم الخريف أكثر تقلباً، مع تأخر بداية الأمطار، أو انقطاعها لفترات طويلة، أو هطولها بغزارة خلال فترات قصيرة، بما يضر بالمحاصيل بدلاً من أن ينفعها. ويحذر باحثون وخبراء مناخ من أن السودان يشهد تزايداً في تذبذب الأمطار وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على الزراعة المطرية التي يعتمد عليها ملايين السودانيين.

وتبرز المشكلة بصورة أكبر في ولايات الإنتاج التقليدي، مثل كردفان ودارفور، وأجزاء من القضارف وسنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، حيث يعتمد المزارعون هناك اعتماداً شبه كامل على الأمطار الموسمية. وإذا تأخرت الأمطار أو انخفضت معدلاتها، فإن المحاصيل الرئيسية، مثل الذرة والدخن والسمسم والفول السوداني، تصبح أكثر عرضة للفشل، وهو ما يهدد الأمن الغذائي ويفاقم معاناة الأسر الريفية.

ولا يمكن إغفال الأزمة الاقتصادية التي ألقت بظلالها على الموسم الزراعي، فقد ارتفعت أسعار الوقود والأسمدة ومدخلات الإنتاج بصورة غير مسبوقة، بينما تقلصت القدرة التمويلية، الأمر الذي دفع بعض المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن الزراعة بالكامل، وهو أمر ستكون له آثار مباشرة على حجم الإنتاج الوطني خلال الأشهر المقبلة.

ورغم كل هذه التحديات، فإن المزارع السوداني ظل يقدم نموذجاً فريداً في الصبر والإصرار، متمسكاً بأرضه رغم المخاطر. فالأرض بالنسبة إليه ليست مجرد مصدر للدخل، بل هي حياة وهوية ومستقبل للأجيال القادمة. ولذلك فإن مسؤولية إنقاذ الموسم الزراعي لا تقع على عاتق المزارع وحده، وإنما هي مسؤولية الدولة ومؤسساتها، والقطاع الخاص، والمنظمات الوطنية والدولية، من خلال توفير التمويل، والتقاوي المحسنة، والوقود، ومدخلات الإنتاج، وتأمين المناطق الزراعية، وتأهيل الطرق والأسواق.

كما أن المرحلة الحالية تستوجب وضع استراتيجية وطنية للتكيف مع التغيرات المناخية، تشمل التوسع في حصاد المياه، واستخدام الأصناف المقاومة للجفاف، وتعزيز الإرشاد الزراعي، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التنبؤ بالأمطار وإدارة الموارد المائية، حتى تصبح الزراعة أكثر قدرة على مواجهة التقلبات المناخية.

إن السودان يمتلك كل المقومات التي تؤهله لاستعادة مكانته الزراعية، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا عاد الأمن إلى ربوع البلاد، واستقرت الأوضاع، وتوافرت الإرادة السياسية لدعم المنتج الحقيقي الذي يحمل على كتفيه مسؤولية إطعام الوطن.

ويبقى الموسم الزراعي لعام 2026 اختباراً حقيقياً لقدرة السودان على تجاوز أزماته، فنجاحه لا يعني زيادة الإنتاج فحسب، بل يعني حماية الأمن الغذائي، واستقرار الاقتصاد، والمحافظة على حياة ملايين الأسر التي تعتمد على الزراعة والرعي. وما بين الحرب، وقلة الأمطار، والتغيرات المناخية، يظل الأمل قائماً بأن تتضافر الجهود، وأن ينتصر السودان كما انتصر في محطات كثيرة من تاريخه، لتعود الحقول خضراء، ويعود المزارع إلى أرضه مطمئناً، ويعود الوطن إلى موقعه الطبيعي، وطناً للإنتاج والخير والعطاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى