يقظة أمة.. د. ميمونة سعيد ابورقاب تكتب: الحوار السوداني – السوداني.. حاجز الصد أمام تفكيك الوطن

في دولة بحجم السودان وتنوعها الجغرافي والاجتماعي والسياسي، وتعدد تقاطعاتها ومصالحها وتشابك أجنداتها الإقليمية والدولية، يصبح الحوار السوداني– السوداني ضرورة وطنية لا ترفاً سياسياً. فالأزمات الكبرى لا تُعالج بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بإقصاء طرف وإبقاء آخر، وإنما بالجلوس إلى طاولة واحدة والبحث عن صيغة تحفظ وحدة البلاد وتصون مصالح شعبها. ومهما تعقدت الأزمة، يظل الحوار الطريق الأكثر قدرة على تحويل الاختلاف من مصدر للصراع إلى مدخل للتوافق.
إن الحوار الذي يحتاجه السودان ليس حواراً انتقائياً تُحدد أطرافه وفق الحسابات السياسية أو الحزبية أو القبلية، وإنما حوار وطني واسع لا يستثني من يمكن أن يكون جزءاً من الحل. فإقصاء أي مكوّن مؤثر قد لا ينهي المشكلة، بل قد يؤجلها ويترك أبواب الخلاف مفتوحة أمام أزمات جديدة. أما إشراك الأطراف السودانية المختلفة، مع الالتزام بالقانون والمصلحة الوطنية ورفض العنف، فيتيح معالجة جذور الأزمة بدلاً من الاكتفاء بمعالجة مظاهرها.
ولا يعني شمول الحوار منح الجميع الحق في فرض رؤاهم أو تجاوز القانون، بل يعني توفير مساحة وطنية تسمح بسماع مختلف المواقف والبحث عن القواسم المشتركة. فالسودان أكبر من الأحزاب والقبائل والمناطق، وأوسع من أن تختزل قضيته في رؤية واحدة أو مجموعة محدودة من القوى. ومن هنا فإن المعيار الحقيقي للمشاركة ينبغي أن يكون الالتزام بوحدة السودان وسلامة أراضيه ورفض العنف والاستعداد للمساهمة في بناء دولة تتسع لجميع مواطنيها.
كما أن الحوار السوداني ينبغي ألا يكون مجرد مناسبة لتبادل الاتهامات، وإنما عملية سياسية واجتماعية جادة تبحث في أسباب الحروب والازمات، وتضع ترتيبات واضحة لإنهائها، وتفتح الطريق أمام معالجة آثارها الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية. فوقف إطلاق النار، وحماية المدنيين، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة الإعمار، وإصلاح مؤسسات الدولة، كلها قضايا تحتاج إلى توافق وطني واسع لا تستطيع جهة واحدة إنجازها بمفردها.
وفي ظل تعدد التدخلات والمصالح الخارجية، تزداد الحاجة إلى موقف سوداني موحد. فكلما اتسعت مساحة التوافق الداخلي، تراجعت فرص توظيف الانقسامات السودانية لخدمة أجندات الآخرين. والحوار الوطني الحقيقي لا يغلق الباب أمام الدعم الإقليمي والدولي، لكنه يجعل هذا الدعم مسانداً للإرادة السودانية وليس بديلاً عنها.
إن الاتفاق السوداني– السوداني هو في جوهره حاجز الصد الأقوى أمام محاولات تفكيك الدولة وإدامة الصراع؛ لأن وحدة الموقف الداخلي تحرم دعاة الانقسام من البيئة التي يتغذون عليها. ولذلك فإن الجلوس إلى طاولة الحوار يجب أن يكون بروح الوطن لا بروح الحزب، وبعقل الدولة لا بمنطق القبيلة، وبهدف إنقاذ السودان لا تحقيق انتصار سياسي عابر.
السودان يسع الجميع، ومستقبله لا ينبغي أن يُبنى على إقصاء بعض أبنائه، وإنما على اتفاقهم حول وطن واحد، ودولة واحدة، ومصلحة وطنية مشتركة. وقد يطول طريق الحوار، وقد يكون شاقاً، لكنه يظل الطريق الأقل كلفة والأكثر قدرة على صناعة سلام حقيقي ومستدام. فحين يتفق السودانيون على وطنهم، تتراجع قدرة الآخرين على التأثير في مصيرهم، ويصبح السودان قادراً على استعادة عافيته وبناء مستقبله بإرادته الوطنية.
:
* باحثة استراتيجية كاتبة صحفية

