حوارات

أمين عام حكومة ولاية الخرطوم الأستاذ/ أحمد المصطفى علي لـ “مسار برس”: قدمنا مقترحًا لإنشاء صندوق سيادي لإعمار الخرطوم

العودة الطوعية تمضي بوتيرة متسارعة مما يتطلب التدخل لتوفير الخدمات

دور المنظمات ضعيف.. ولا نعول عليها في الإعمار والرعاية الاجتماعية

مواطن باع عربته الخاصة لمواصلة العمل في تقديم الغذاء عبر “تكية”

المليشيا دمرت كل المرافق الصحية، وأعدنا تأهيل عشرين محطة مياه

الأولوية في الكهرباء للتجمعات السكنية وللمواطنين، وهناك مبادرة من الغرفة التجارية لإيصال الإمداد للقطاعين التجاري والصناعي

يقول أمين عام حكومة ولاية الخرطوم الأستاذ أحمد المصطفى إن العودة الطوعية لمواطني الخرطوم تتسارع بوتيرة عالية، مما يتطلب وقفة وتدخلًا عاجلًا لضخ المزيد من الخدمات، وإعادة تأهيل وإعمار الولاية. المصطفى كشف من خلال هذه المقابلة عن مقترح بإنشاء صندوق قومي سيادي لدعم وإعمار ولاية الخرطوم، فضلًا عن حديثه العميق حول عدد من الملفات. أحمد المصطفى إداري من طراز رفيع عمل في سنوات الحرب واحتلال المليشيا المتمردة لأجزاء من ولاية الخرطوم.. ورفض الخروج، وآثر البقاء وتقديم الخدمة للمواطن.

حوار : حسن محمد علي

في البدء السيد أمين عام حكومة ولاية الخرطوم.. نلاحظ أن هناك تكدسًا في النفايات، كيف تعمل هذه الإدارة الهامة في إزالة الأنقاض؟

قضية النظافة في الولاية بدأت منذ أول يوم لتحرير العاصمة، صحيح أننا فقدنا أكثر من 90% من البنية التحتية وآليات النظافة، إضافة إلى الكلفة المالية التي تضاعفت في عمل النظافة، إلا أن ذلك لم يكن حائلًا بيننا وبين بدء العمل وإزالة الأنقاض والأوساخ والنفايات. وفوق جهود الإدارات الحكومية وموظفيها وآلياتها، قمنا أيضًا بالاستعانة بمقاولين لفتح الطرق وإزالة الأنقاض. نحن نعمل بشكل موازٍ، فمن جهة نزيل الأنقاض في الشوارع، ومن جهة أخرى تلك التي يتخلص منها المواطنون من داخل منازلهم. وإذا كانت مسألة النظافة مكلفة، فنحن عندما بدأنا العمل كانت ميزانية الولاية تعمل بلا إيرادات وبطاقة لا تتجاوز 30% من حجم الميزانية الطبيعي. ويمكننا القول إننا وصلنا إلى أكثر من 70% من إزالة الركام ونظافة الشوارع. وبالنسبة لنا فقضية النظافة بجانب أنها مظهر حضاري هام، فهي أيضًا خط الدفاع الأول عن البيئة الصحية ومحاربة نواقل الأمراض.

ملف هام مثل مياه الشرب، كيف تمكنت حكومة الولاية من إنجازه بهذه السرعة.. وكم نسبة التنفيذ فيه؟

صحيح، ملف المياه من الملفات التي أنجزت فيها حكومة الولاية بقيادة الوالي أحمد حمزة، وكذلك لجنة تهيئة البيئة برئاسة الفريق إبراهيم جابر عضو مجلس السيادة. وأقول إن نسبة الإنجاز في استعادة هذه الخدمة الهامة قد تجاوزت التسعين بالمائة، حيث قمنا بإعادة تشغيل كافة المحطات في العاصمة وعددها 20 محطة مياه نيلية، فضلًا عن إعادة تأهيل العشرات من الآبار الجوفية وتزويدها بطاقة بديلة، إضافة إلى الوقود بالمحطات نظرًا لانقطاع التيار الكهربائي بمبالغ مالية ضخمة تكاد تصل إلى أكثر من 200 برميل من وقود الجازولين في اليوم الواحد. وفي بعض المرات خلال الصيف واجهتنا مشكلتان: الأولى انقطاع التيار الكهربائي، والثانية ضعف مجرى النيل، حيث كنا نضطر لترحيل المحطات الغاطسة إلى أعماق النهر حتى نستطيع ضخ المياه، وهي مهام شاقة وقف عليها رجال.

تواجه العاصمة وعودة الناس إليها مشكلة الكهرباء، كيف تسير عمليات تأهيل هذا القطاع؟

في حكومة الولاية نعقد اجتماعًا أسبوعيًا للجنة الطوارئ وإدارة الأزمة يتم فيه استعراض كامل لسير عمليات التأهيل ومد التيار. على المستوى الاتحادي هناك إشكاليات في الميزانيات بسبب اقتصاد الحرب، لكن رغم ذلك فإن العمل جارٍ ويسير بوتيرة جيدة، ونتوقع حتى نهاية العام أن تكون خدمة الكهرباء قد تحسنت بصورة كبيرة. وقطاع الكهرباء كما تابعتم في أكثر من تصريح هو أكبر القطاعات التي تضررت، وحتى بعد تحرير معظم الولايات، إلا أن المليشيا ما زالت تستهدف منشآت الكهرباء، وهناك محطات لم تعمل حتى الآن.

في عمليات التوصيل ومد التيار الكهربائي لمن الأولوية الآن؟ وما موقف القطاع التجاري والصناعي؟

الكهرباء هذه المرة بدأت في الأطراف ثم تتوغل الآن لعمق المدن في العاصمة الخرطوم، وذلك لأن العودة بدأت بالتجمعات السكنية، والأولوية دائمًا للمواطن العائد لبيته، بجانب توصيل جميع محطات المياه. الآن القطاعان التجاري والصناعي لم يشكلا وجودًا مؤثرًا، رغم أن هناك مناطق صناعية تتمتع الآن بخدمات الكهرباء، لكن نحن نريد مزيدًا من التواجد والجدية في العودة للعمل. هناك مبادرة من جانب الغرفة التجارية لإعادة التيار للتجمعات والمناطق التجارية والصناعية، مع التزامهم بالمساهمة في التكلفة، والمبادرة تمضي الآن بصورة جيدة ونتمنى مزيدًا من الجهد مع الحكومة لتتكامل الجهود ونصل لنتائج طيبة.

ما تزال الطرق في العاصمة تواجه مشاكل.. وهناك طرق المرور بها صعب، مظلمة ومهترئة، ما هي رؤيتكم لهذا القطاع وما تم إنجازه فيه؟

لدينا خطة واضحة وميزانية مجازة لإعادة تأهيل جميع الطرق في العاصمة، فضلًا عن اختيار عمل طريق جديد واحد حتى الآن نظرًا للميزانيات الضعيفة. الشوارع في العاصمة كانت رديئة.. طريق مثل “الستين” واجه مشكلات كبيرة في البنية التحتية وتجريف ممراته، لكن الآن تمت صيانته بأفضل ما يكون. تمت مراجعة وتأهيل كل الطرق الرئيسية في العاصمة. الطريق الوحيد الذي سيتم إنشاؤه هو طريق المنشية – سوبا، وبدأ العمل في المسوحات وتحديد المسار وسيتم تنفيذه مباشرة.

أما بالنسبة للوضع الحضاري للطرق، فنعمل الآن على إنارة وتجميل الطريق، وتلقينا مبادرة كريمة لإنارة طرق “الجمهورية، النيل، المطار” بواسطة وزارة الطاقة. أهمية إنارة الطرق تكمن في حفظ الأمن وإشاعة الطمأنينة للمارة ومستغلي الطرق، وهي هاجس بالنسبة لنا نعمل على إزالته بإنجاز إنارة الشوارع رغم الكلفة العالية، حيث تصل تكلفة “اللمبة” الواحدة حوالي 2 مليون جنيه.

أستاذ أحمد يظل السؤال عن القطاع الصحي هو الأهم دائمًا.. كيف يبدو وضع المؤسسات الصحية ومستوى تقديم الخدمة بالولاية؟

طبعًا المليشيا قامت باحتلال المستشفيات واتخاذها دروعًا لأنها تعلم أن القوات المسلحة لن تضربها، مما عرضها لتخريب كبير من جانب المليشيا حيث تدمرت كل البنية التحتية للصحة فيما يتعلق بالأجهزة والمعدات الطبية. وللحقيقة فإن استعادة العمل في المستشفيات كانت تحت الرصاص، حيث لم نقف بينما كانت المليشيا تستهدف المؤسسات الصحية وتتخذها ملجأ، حيث قمنا مباشرة بعد التحرير بصيانة وإعادة الخدمة بمستشفيات (الشعب، الأنف والأذن والحنجرة، جابر أبو العز، مستشفى السكري للأطفال، مستشفى أم درمان). وكان عمل الولاية والحكومة في مدينة أم درمان كبيرًا بينما كانت المليشيا تحتل أجزاء واسعة من العاصمة، وكان هدفنا توفير الخدمة للناس والمواطنين الذين آثروا البقاء، وهي كانت مهمة مقدسة. ونحن نقول إن مساهمتنا في معركة الكرامة كانت البقاء واستبقاء الناس معنا بمنازلهم وعدم مغادرة حياتهم الطبيعية والعادية، وذلك بتوفير الخدمات الصحية والتعليمية. وهنا لا بد من الإشادة بالكوادر الطبية الذين عملوا في أحلك الظروف من أجل مواطنيهم وصمدوا معنا في المراكز الصحية والمستشفيات. ولكن رغم ذلك أقول إن المستشفيات ما زالت تحتاج لدعم، خاصة وأن الأزمة أكبر من إمكانيات الولاية، وتحتاج لدعم من مستويات أعلى في مجلس السيادة ومجلس الوزراء.

وماذا عن التعليم والتعليم الحكومي خاصة بمؤسساته.. كيف تبدو الصورة؟

الآن 90% من المدارس في الولاية تعمل بصورة كاملة وليس بها مشكلات، لكن المتبقي غير مؤهل.. لذلك قمنا بتكوين آلية لصيانة المدارس، ونجد كذلك تعاونًا من جانب المدارس الخاصة رغم تمدده على حساب التعليم الحكومي، إلا أنهم قاموا بصيانة مدارسهم وسدوا الفجوة، رغم أن هناك حاجة لاستكمال خطة الولاية بالتغطية الكاملة للتعليم الحكومي. وجدنا تعهدات من جانب وزارة التعدين وعدد من البنوك لم تكتمل تلك المبادرات. التعليم عملية مكلفة، دفعنا فقط لامتحانات مرحلتي الابتدائية والمتوسطة أكثر من 15 تريليون جنيه، هذا بجانب مساهمة أولياء أمور الطلاب. وضع سير العملية التعليمية متواصل مما خلق واقعًا مستقرًا، وزالت عملية تكدس الدفع.

أنتجت الحرب واقعًا اجتماعيًا يتطلب رعاية، كيف كانت تدخلاتكم في هذا المجال؟

الرعاية الاجتماعية وتقديم الدعم تم منذ الوهلة الأولى للحرب بواسطة الحكومة، حيث كانت سلة الوالي، ثم بدأنا في دعم التكايا التي كنا جزءًا منها وكنا كحكومة ولاية نتناول وجباتنا فيها. لم تكن هناك منظمات، إلى أن بدأت بعضها بالدخول بعد مرور زمن طويل من الحرب في العاصمة، حيث كانت هناك تدخلات في جانب توفير الوجبات الغذائية خاصة من جانب مركز الملك سلمان للإغاثة، بجانب هيومن أبيل ومنظمة يونيسف التي دعمت في مجال المياه والتعليم. المنظمات عمومًا دورها كان ضعيفًا، حتى إننا طالبناهم بعدم تقديم الوجبات والغذاء وإنما إعانة المواطنين على استكمال الخدمات. الآن ننشط بعدد من البرامج الحكومية في مجال الرعاية الاجتماعية، ونتدخل وفقًا لاستراتيجيات على المستويين الولائي وبالتنسيق مع المستوى الاتحادي. وللحقيقة لا نعول على المنظمات في مجال الرعاية الاجتماعية. هناك مواطنون تصدوا لهذه المهمة، أعرف أحد المواطنين يدفع مليون جنيه يوميًا في تكية يقدم من خلالها الغذاء للعشرات، فيما باع مواطن عربته الخاصة بعد نفاد مدخراته في الصرف على تكيته، وهذا ديدن السودانيين الذي حدث في كل مدن البلاد أثناء الحرب.

لظروف خاصة.. مثلًا للذين نزحوا من مدن العاصمة نحو أم درمان ومن أم درمان نفسها لمحلية كرري، قمنا بإنشاء عدد 179 مركز إيواء بمحلية كرري، وهو ما دفع الناس للبقاء وشكلوا حماية ورعاية ودعمًا لبعضهم البعض مع الجهود الحكومية.

تودون استبقاء الناس وعودتهم طوعًا لمنازلهم، لكن هناك تحديات في إعادة الإعمار وسير العملية ببطء؟

هذا صحيح، نحن نرى أن العودة الطوعية تمضي بوتيرة متسارعة، مقارنة مع بطء الإعمار واستكمال الخدمات، لذلك نحن نحتاج لتدخلات عاجلة خاصة من مستويات مجلس الوزراء ومجلس السيادة. أتوقع بنهاية العام أن يتضاعف العدد، لو كان هناك خمسة ملايين الآن فإن العدد سيزيد بالضعف. نحن من جانبنا نعمل بكل جد، حتى لا نجلس لننظر للمواطنين وهم يعودون ولا يتحصلون على الخدمات، لذلك طرحنا إنشاء صندوق لإعمار ولاية الخرطوم ترأسه شخصية سيادية، يعمل على استقطاب الدعم المالي لمواكبة المرحلة المقبلة. العودة تحتاج لجهد كبير، صحيح نحن لن نعمل على توفير فنادق للمواطنين، ولكن يجب أن نكون مستعدين لتقديم الحد الأدنى من خدمات المياه والكهرباء والصحة والتعليم.

أخيرًا السيد أمين حكومة الخرطوم، عاد الناس ويطالبون بالأمن والخدمات؟

الهاجس والهم بالنسبة لنا كان عدم وجود المواطنين في منازلهم بعد التحرير، لأن بعض ضعاف النفوس يتسللون لسرقة المنازل، فوق أن هناك متفلتين شكلوا هم أيضًا تحديًا أمنيًا بالنسبة لنا. كذلك ظاهرة التسول والمتسولين كانت مشكلة، فوق أن غالبيتهم من الأجانب وشارك معظمهم مع المليشيا متعاونين ومن اشترك معهم بالسلاح. حتى في المتفلتين هناك من يلبس بزة القوات المسلحة أو القوات المشتركة وينتحل صفتها وسلطتها، لذلك جاءت قرارات حفظ الأمن وعلى رأسها إيقاف الدراجات النارية “المواتر” من العمل، لأن معظم التفلتات تمت بواسطتها، ونحتجز المئات من الدراجات الآن. أيضًا من الإجراءات الانعقاد الأسبوعي للجان الأمن على مستوى الولاية والمحليات، وتسيير الطوف الأمني في كل محلية وهو يضم كل التشكيلات العسكرية والأمنية، وإقامة الارتكازات في النقاط المختلفة. لكن أيضًا تظل قضية مثل قضية المخدرات هي هاجس أمني واجتماعي من نوع آخر يتطلب تكاتف الجميع، ورغم أن وحداتنا الأمنية تحقق يوميًا ضبطيات كبيرة وسط المروجين، إلا أن الأمر كبير ويحتاج لتدخل من جانب المجتمع أيضًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى