والي شمال كردفان عبد الخالق عبد اللطيف لــ(مسار برس): تكاتف المواطنين مع القوات المسلحة كان سبب صمود مدينة الأبيض
حرب المسيرات لم تكسر إرادة المواطنين بل زادتهم قوة وثباتاً

كنا نواجه المليشيا داخل الأبيض عند بداية الحرب
الرهد وأم روابة وأم دم… أين أصبحت مواقع المليشيا اليوم؟
الخطاب القبلي للمليشيا فشل أمام وعي المجتمع
قريباً نعلن خلو ولاية شمال كردفان من أي وجود للمليشيا
في ظل تطورات المشهد الأمني والعسكري بولاية شمال كردفان، يبرز هذا الحوار مع والي الولاية عبد الخالق عبد اللطيف بوصفه نافذة مباشرة على تفاصيل مرحلة دقيقة عاشتها مدينة الأبيض منذ اندلاع الحرب. يكشف الوالي، في حديثه لـ(مسار برس)، ملامح الصمود الذي تحقق داخل المدينة، وكيف أسهم تماسك المواطنين مع القوات المسلحة في إفشال مخططات المليشيا وإعادة ترتيب المشهد الأمني تدريجياً.
ويستعرض والي شمال كردفان خلال الحوار قراءة شاملة للوضع الميداني، وما واجهته الولاية من تحديات مرتبطة بالمسيرات والحملات الإعلامية والشائعات، إلى جانب جهود الحكومة في إعادة الحياة إلى طبيعتها رغم ظروف الحرب. كما يتطرق إلى التحولات التي شهدتها مناطق كانت مسرحاً للعمليات، مؤكداً أن ما تحقق حتى الآن يمثل خطوة في طريق استعادة الاستقرار الكامل، وأن المرحلة المقبلة تحمل مؤشرات أوضح على انتهاء التهديدات وعودة الأمن إلى الولاية بصورة أشمل.
حوار: أنور نمر
التحية لكم، نود أن نخوض في عدد من القضايا عبر هذا الحوار، ونعلم أن البلاد تخوض حرباً وأن ولايتكم تُعد منطقة عمليات؟
نرحب بالصحفيين والإعلاميين، لأننا نستفيد منهم في جانبين: الأول أنهم يعكسون الرأي العام ومن خلاله نتلمس قضايا المواطنين ومشكلاتهم، والثاني أنهم يساعدون الأجهزة التنفيذية والحكومية والعسكرية وغيرها في إيصال الرؤية التي قد لا تستطيع أحياناً الوصول إلى جميع المواطنين.
وأود أن أوضح أن الأجهزة الإعلامية والثقافية قادرة على إيصال وجهة نظر الحكومة وما تريده من مشاركة ومساندة ودعم، لذلك حرصت على أن تكون العلاقة واضحة وتشاركية مع الأجهزة الإعلامية.
كيف صمدت مدينة الأبيض في وجه العدوان، علماً بأن المليشيا كان لها وجود عسكري داخل المدينة؟
بدأت الحرب في 15 أبريل 2023م، وتم تعييني والياً في السابع من يونيو من العام نفسه. وللصمود عوامل كثيرة، أهمها الإرث التاريخي الذي تتمتع به شمال كردفان ممثلاً في الفرقة الخامسة مشاة (الهجانة)، بما تمثله من هيبة وبسالة وشجاعة، إضافة إلى وقفة مواطني المدينة ودعمهم المستمر للقوات المسلحة.
هل كانت هناك حواضن اجتماعية أو أي حراك داعم للمليشيا داخل المدينة في تلك الفترة؟
شمال كردفان لم تكن بها حواضن واضحة للمليشيا. نعم، استطاعت المليشيا استقطاب بعض الأشخاص خلال فترة الحرب، لكن لم تكن لها حواضن إثنية تقليدية كما هو الحال في بعض المناطق الأخرى. وهناك من انضم إليها لأسباب مادية أو نتيجة ضعف في الوعي.
وأؤكد أن تكاتف المواطنين مع القوات المسلحة وإسنادهم لها كان السبب الرئيس في صمود مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان.
أين كانت المليشيا عندما اندلعت الحرب؟
عندما تسلمت مهامي والياً كانت المليشيا موجودة داخل مدينة الأبيض، وفي مناطق غرب المدينة مثل الصحوة وغيرها، وقد تسلمت المسؤولية في توقيت بالغ الصعوبة والحساسية.
وجاء وجودها آنذاك باعتبارها كانت جزءاً من المنظومة الحكومية، وكان هناك ضابط يمثل الدعم السريع ضمن لجنة أمن الولاية، رغم أن القانون لا يسمح بذلك.
كثير من المواطنين كانوا يعتقدون أن الحرب تستهدف الجيش فقط وأن المليشيا مجرد طرف متمرد، فما تعليقكم؟
المليشيا التي تحارب اليوم ليست جزءاً من الجيش ولا من الدولة، لأنها استهدفت المواطن نفسه. وبعد فترة أدرك المواطن حقيقة الأمر، وفهم أن الهدف الأساسي للمليشيا هو المواطن السوداني. لذلك شهدنا قيام لجان الإسناد والتعبئة والاستنفار عقب إعلان المقاومة الشعبية.
كيف حافظتم على ترابط المجتمع بمكوناته المختلفة في ظل حملات الكراهية والجهوية التي صاحبت الحرب؟
اعتمدنا خطاباً مضاداً يقوم على التوعية والتنوير. خاطبنا الأفراد الذين انضموا إلى المليشيا، ووضحنا لهم أن الدعم السريع لا يلتزم بعهود أو مواثيق، وحذرناهم من الانسياق خلف الوعود والشعارات التي يروج لها.
واليوم نرى أن المليشيا تنصلت من كثير ممن استخدمتهم وقوداً لحربها، والمتابع للمشهد يلاحظ أنها تخلت عن مجموعات وقبائل عديدة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الانخراط معها.
ما هي أولى الخطوات التي اتخذتموها بعد وصولكم إلى الأبيض وتوليكم المنصب؟
كانت الحرب مشتعلة، والأسواق والمدارس مغلقة، والحياة متوقفة بشكل شبه كامل، لذلك سعينا أولاً إلى إخراج المواطن من أجواء الحرب وإعادة تطبيع الحياة.
عملنا على تنشيط المناشط الرياضية والثقافية وإقامة المنتديات والدورات الرياضية، واستثمرنا تلك الفعاليات في رفع الروح المعنوية وتوعية المواطنين بحقيقة ما يجري، وشرحنا لهم أن المليشيا قوة معتدية تضم مرتزقة وخارجين على القانون، وأن خطابها قائم على الإثنية والقبلية.
ذكرتم أن للمليشيا خطاباً مزدوجاً، ماذا تقصدون بذلك؟
كانت تخاطب بعض القبائل ذات الجذور العربية بأنها تمثل مشروعاً لحماية العروبة، وتدعوها للانضمام إليها، وفي المقابل كانت تخاطب قبائل أخرى مثل البديرية والجوامعة والنوبة وغيرها بأن القبائل العربية تسعى لإقصائها وأن عليها حمل السلاح والقتال إلى جانبها.
هذا نموذج واضح لخطاب الكراهية المزدوج الذي استهدف إشعال الفتن والنزاعات القبلية، لكن مع مرور الوقت أدرك المواطنون أن المليشيا تستهدف الجميع دون استثناء.
كيف تصفون الوضع الأمني في الولاية حالياً؟
الجانب الأمني ينقسم إلى شقين: الأول يتعلق بالأمن الداخلي وهو من اختصاص لجنة أمن الولاية والحكومة التنفيذية، والثاني مرتبط بالعمليات العسكرية الميدانية التي تتولاها الجهات العسكرية المختصة.
حدثنا عن ذلك بمزيد من التفصيل؟
كما ذكرت سابقاً، كانت المليشيا موجودة داخل مدينة الأبيض وكانت تقصف المدينة بالكاتيوشا، بل إن منزلي كان يبعد نحو ثلاثة كيلومترات فقط عن خطوط النار.
لكن دعني أسأل: المليشيا كانت موجودة في الرهد وأم روابة وأم دم، فأين هي الآن؟
اليوم أصبحت هذه المناطق أكثر استقراراً وإنتاجاً، وصحيح أن هناك بعض المناطق التي ما زالت تشهد وجوداً للمليشيا، لكننا واثقون من أنها ستُطهَّر قريباً.
هل يمكن القول إن الموقف مطمئن الآن؟
نعم، أطمئن المواطنين بأن الأوضاع تسير نحو الأفضل، وهناك جهود كبيرة تُبذل لتعزيز الأمن والاستقرار، كما أن التقدم الميداني الذي تحققه القوات المسلحة عبر عمليات دقيقة ضد مواقع العدو يبشر بالخير.
وكيف تسير العمليات العسكرية من واقع متابعتكم؟
تصلنا التقارير اليومية من الجهات المختصة، ونحن على تواصل مستمر مع القوات المسلحة ونحرص على زيارتها وإسنادها معنوياً.
ونؤمن بأن المليشيا تعيش مراحلها الأخيرة، وأن نهايتها باتت قريبة.
وقريباً، بإذن الله، ستسمعون عن احتفال ولاية شمال كردفان بخلوها من أي وجود للمليشيا، وأن المسيرات التي تستهدفنا بها لن تحقق شيئاً على أرض الواقع، ولن ترهب المواطنين، بل زادتهم قوة وتماسكاً وثباتاً.

