حوارات

مدير عام وزارة الثقافة والإعلام في الولاية الشمالية الباقر عكاشة لـ«مسار برس»:

كسرنا حصار الشائعات.. والحرب صنعت واقعاً ثقافياً وإعلامياً جديداً قناة الشمالية واصلت البث في أصعب الظروف وكانت سنداً لمعركة الوعي

لا نريد إعلاماً منفلتاً ولا مقيداً.. بل إعلاماً مهنياً يحمي المجتمع
دنقلا عاصمة للثقافة 2026 بوابة لتوظيف الموروث الحضاري في التنمية
الشباب في صدارة أولوياتنا.. ومشروعات جديدة للتمكين والإنتاج
نسعى لتحويل المواقع الأثرية إلى مورد اقتصادي مستدام
توثيق الحرب بالفنون والدراما مسؤولية وطنية تجاه الأجيال القادمة

في ظل التحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد، تتزايد أهمية الدور الذي تضطلع به مؤسسات الثقافة والإعلام في دعم الاستقرار المجتمعي وتعزيز الوعي العام ومواجهة الشائعات وخطابات التضليل. وفي الولاية الشمالية، يبرز هذا الدور بصورة أوضح في ظل التحديات التي فرضتها الحرب، حيث واصلت المؤسسات الثقافية والإعلامية أداء مهامها مع السعي إلى تطوير أدواتها وتوسيع نطاق تأثيرها.
وفي الوقت نفسه، تتجه جهود الولاية إلى حماية إرثها الحضاري والثقافي وتوظيفه في خدمة التنمية، إلى جانب الاهتمام بتمكين الشباب ومواكبة التحول الرقمي المتسارع. وفي هذا الحوار، يتحدث مدير عام وزارة الثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، الباقر عكاشة عثمان، إلى «مسار برس» عن واقع الإعلام والثقافة بالولاية، وأبرز التحديات التي تواجه القطاع، وخطط الوزارة خلال المرحلة المقبلة. وإلى تفاصيل الحوار:

حوار: هيثم موسى

كيف تقيمون واقع الإعلام في الولاية الشمالية اليوم، وما أبرز التحديات التي تواجهه في ظل المتغيرات السياسية والاقتصادية التي تشهدها البلاد؟
ظللنا في إعلام الولاية نؤدي رسالتنا الوطنية مستصحبين المرحلة الاستثنائية التي تمر بها البلاد. ظلت قناة الشمالية، تواصل رسالتها بتقنيات فنية متطورة، كما انطلقت القناة القومية أيام الحرب من بورتسودان بتنسيق مع قناة الشمالية وكان لهذا البث أثر واضح داخلياً وخارجياً، وكذلك داخل القواعد العسكرية المحاصرة والمغتربين فكان الإعلام في مستوى التحدي في التعبئة والاستنفار وتفكيك أسلحة الشائعات وخطاب الكراهية. كما ظل المجلس الأعلى للثقافة يؤدي دوره في كافة المجالات، حيث أقام المنتديات واهتم بكل أنواع الفنون، ونفذ الدورات التدريبية مستفيداً من الكوادر التي جاءت من الخرطوم. ولأول مرة في تاريخ الولاية، أنتج المجلس مسلسلاً في رمضان يحكي سلبيات المرحلة والأيادي الخفية من استخبارات بعض الدول لتسميم أفكار الشباب. أما التحديات، فالجميع يعلم أن الإعلام أصبح صناعة، ونعول أيضاً على وعي المواطن الذي أصبح متفهماً لطبيعة عمل الميديا ونوايا الغرف الإعلامية التي تُموَّل بمبالغ طائلة، فكان هذا الوعي السند الحقيقي، خاصة في جانب الميديا. ورغم ذلك، تمتلك الولاية صحفاً وصفحات على فيسبوك، وتم إنشاء إدارة للإعلام الإلكتروني.
تمتلك الولاية الشمالية إرثاً حضارياً وثقافياً فريداً، فماذا فعلت الوزارة لحماية هذا الإرث من الإهمال والاندثار وتحويله إلى مورد للتنمية؟
نعم، الولاية الشمالية تتوفر فيها كل مقومات الدول العظمى من زراعة وثروة حيوانية ومياه جوفية ونهر النيل، وكل أنواع المعادن، إضافة إلى الأسمنت وثروات باطن الأرض وظاهرها التي لم تُستغل بعد، إلى جانب ثروة سياحية كبيرة لتنشيط السياحة مستصحبين التراث المادي وغير المادي. فكان مشروع دنقلا عاصمة للثقافة لعام 2026 تشجيعاً للمبادرات الرامية إلى توثيق الموروث الثقافي للأجيال القادمة، كما نسعى إلى تحويل هذا الإرث إلى قوة اقتصادية ناعمة من خلال ربط الثقافة بالسياحة والاستثمار.
إلى أي مدى أثرت الحرب على الأنشطة الثقافية والإعلامية بالولاية، وكيف تعاملتم مع هذه التحديات الاستثنائية؟
الحرب أثرت بلا شك على كل قطاعات الدولة، والثقافة والإعلام لم يكونا بمعزل عن ذلك، لكننا رفضنا أن تتوقف الرسالة الثقافية والإعلامية بسبب الظروف الاستثنائية، بل عملنا على توجيه الأنشطة نحو تعزيز قيم الصمود والتماسك المجتمعي والوعي الوطني. واستطعنا رغم التحديات المحافظة على استمرارية العمل وتنفيذ عدد من البرامج التي دعمت الاستقرار المجتمعي وأسهمت في رفع الروح المعنوية للمواطنين، كما جاء في حديثي سابقاً.
أين تقفون من الجدل الدائر حول حرية العمل الصحفي والإعلامي؟ وهل تعتقدون أن الإعلام السوداني يمارس دوره بحرية ومسؤولية في آن واحد؟
نحن نؤمن بحرية الإعلام، ولكن في الوقت الحالي أصبح كل من يملك جهازاً صاحب محتوى، ما قد يقود أحياناً إلى التشويه دون مسؤولية. أما الإعلاميون أصحاب الفكر والفهم الجيد، حتى إذا اختلفنا معهم فإننا نجلهم ونحترمهم ما دام النقد بناءً، فكل من يكتب له رؤية يقدم أفكاراً تدفع إلى الأمام وتعكس مكامن الضعف التي لا تراها الحكومة أحياناً. مكاتبنا مفتوحة لأصحاب الرأي والباحثين عن المعلومة، وعلى الباحث الوصول إلى المعلومة الصحيحة من مصادرها قبل الكتابة، فالوضع الحالي لا يحتمل المهاترات، وصاحب القلم صاحب رسالة. ومن هنا ندعو إلى إعلام حر يعمل لمصلحة البلاد والعباد.
عموماً، نرى أن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، فالإعلام الحر هو القادر على نقل الحقائق بموضوعية ومهنية، كما أنه شريك في حماية المجتمع من الشائعات وخطابات الكراهية والاستقطاب السلبي، والمطلوب ليس إعلاماً مقيداً ولا منفلتاً، بل إعلاماً مهنياً ومسؤولاً.
مع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، هل أصبح الإعلام التقليدي مهدداً أم أن المرحلة الحالية تفرض التكامل بين الوسيلتين؟
إلى حد ما، فالإعلام التقليدي له جمهوره، وكذلك الإعلام الرقمي. ما يميز الرقمي هو سرعة الانتشار والمنافسة في المحتوى والمصداقية والمهنية والثقة، وعموماً يمكن القول إن هناك تكامل أدوار.
كثير من المواهب الشابة تشكو من ضعف الدعم والرعاية، فما هي خطط الوزارة لتمكين الشباب في مجالي الثقافة والإعلام؟
الشباب هم الطاقة الكامنة والركيزة الأساسية في مواجهة الصعاب، ولا بد من تفجير طاقاتهم في خلق مشاريع والترويج لها.
هناك خطة من قبل المجلس الأعلى للشباب تم إجازتها من مجلس الوزراء لتمليك الشباب خمسة فدادين، وبالتنسيق مع شركة الشمالية لحفر بئر وتوفير الطاقة الشمسية. كما هناك تنسيق مع الثروة الحيوانية للاستفادة من الأموال التي قدمتها منظمة الفاو للاستزراع السمكي والحيواني. وهناك اهتمام من حكومة الولاية في الجانب الرياضي، حيث تم تصعيد فريقين للممتاز، ولدينا فريقان في التأهيلي، كما تم تفعيل أنشطة الأندية لتقوم بدورها الثقافي والاجتماعي. ونعمل على رفع قدرات الشباب عبر المنتديات والورش والمحاضرات تحاشياً لخطر المخدرات.
تمتلك الشمالية مواقع أثرية عالمية، فلماذا لا تزال الاستفادة الاقتصادية منها دون الطموح؟ وما هي رؤيتكم لتسويقها إعلامياً وسياحياً؟
صحيح أن الإمكانات الحالية لا تزال دون مستوى الطموح، لكننا نمتلك رؤية واضحة تقوم على الترويج الاحترافي للمواقع الأثرية وتطوير المحتوى الإعلامي والسياحي الخاص بها وجذب الاستثمارات التي تسهم في تحويل هذه الكنوز التاريخية إلى مورد اقتصادي مستدام يخدم الولاية والبلاد. وسنزيل آثار الحرب بهذه الرؤية بمشيئة الله، وقد قمنا بتسجيل كل المواقع الأثرية كخطوة أولى، وبمشاركة القطاع الخاص ستكون الولاية قبلة للسياح بعد الحرب.
في ظل تنامي الشائعات وخطابات الاستقطاب، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الإعلامية الرسمية في تعزيز التماسك المجتمعي؟
هناك من يرى أن المؤسسات الحكومية ما زالت تعاني ضعفاً في التواصل مع المواطنين، لكننا نعمل على مواجهة الشائعات باعتبارها أداة من أدوات الحرب النفسية، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ونعمل مستفيدين من وعي المواطن في نبذ خطاب الكراهية وتوحيد الخطاب وكل ما يؤدي إلى إحباط المواطن، وذلك بإظهار الحقيقة كاملة بمهنية دون مجاراة الناشطين وأصحاب الأجندة.
ما أبرز الملفات التي وجدتموها على مكتبكم عند تولي المسؤولية ولم تُحسم بعد؟ ولماذا ظلّت عالقة حتى الآن؟
بحمد الله وتوفيقه، تم حسم الملفات الأمنية التي كانت تُقلق المواطنين، مثل ملف أولاد قمري وشاذلي والتفلتات بإطلاق النار في الأمسيات، وكل مظاهر السلاح في الأسواق. وتتحرك الحكومة نحو معالجة الكهرباء جذرياً، وقد بدأت بخطوات متسارعة لتأهيل ما دمرته مليشيا الدعم السريع.
لو مُنحتم حق مراجعة قرار واحد أثّر سلباً على قطاع الثقافة والإعلام، ماذا ستغيّرون؟
تعتمد معظم موارد الولاية على الاتحادي مثل المعابر والتعدين والاستثمارات الزراعية والسد، ونتطلع إلى نصيب عادل من هذه الموارد، خاصة أن معظم الخدمات من صحة وتعليم ومياه تمت بالعون الذاتي. والمجلس الأعلى يعد من المؤسسات القوية لاستمرار الرسالة الثقافية والإعلامية، وهناك وعود من مجلس الوزراء لدعم مشاريع المجلس.
بعد عام من الآن، ما الإنجاز الذي إذا لم يتحقق ستعتبرون أنكم لم تنجحوا؟
أطمح إلى أن نشهد تحولاً حقيقياً في واقع الثقافة والإعلام بالولاية الشمالية عبر تطوير المؤسسات وتمكين الشباب وتعزيز الحضور الثقافي والإعلامي على المستوى القومي، والترويج لتراثها بوصفه أحد روافد التنمية. وإذا نجحنا في جعل الثقافة والإعلام شريكاً فاعلاً في التنمية والاستقرار المجتمعي، فسأعتبر أننا وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح. ونعمل حالياً على توثيق المرحلة الحالية بكل أنواع الفنون من شعر وغناء ودراما، لتصل إلى الأجيال القادمة، أسوة بالإبداعات التي صاحبت التحولات الوطنية من أعمال فنية خالدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى