الأمين العام السابق للمجلس السوداني للتخصصات الطبية وعميد كلية الطب في جامعة العلوم والتقانة أحمد شادول لـ«مسار برس»: 70 % من المؤسسات الصحية خرجت عن الخدمة… لكننا لم نوقف تدريب نواب الاختصاصيين
الحرب أخرجت غالبية المؤسسات التدريبية من الخدمة وأجبرت الجامعات على البحث عن بدائل..

المجلس واصل الامتحانات وخرّج نحو 2500 اختصاصي في 36 تخصصاً منذ اندلاع الحرب..
إنشاء مراكز جديدة خارج مناطق القتال أنقذ برامج التدريب التخصصي..
جودة التدريب بقيت ضمن المعايير العالمية رغم فقدان كثير من الإمكانات..
لم يكن القطاع الصحي بمنأى عن تداعيات الحرب التي اندلعت في السودان، إذ امتدت آثارها إلى التعليم الطبي والتدريب التخصصي، مع خروج معظم المستشفيات التعليمية ومراكز التدريب عن الخدمة، ونزوح الكوادر الصحية والطلاب إلى ولايات أكثر أمناً. لكن، وفق الأمين العام السابق للمجلس السوداني للتخصصات الطبية وعميد كلية الطب بجامعة العلوم والتقانة، البروفيسور أحمد شادول، فإن المؤسسات المسؤولة عن إعداد الاختصاصيين تمكنت من مواصلة عملها، رغم الظروف الاستثنائية، عبر إنشاء مراكز تدريب جديدة وتنظيم الامتحانات داخل السودان.
وفي هذا الحوار مع «مسار برس»، يتحدث شادول عن حجم الأضرار التي أصابت منظومة التعليم الطبي، وكيف تعامل المجلس مع الأزمة، والجهود التي بُذلت للحفاظ على جودة التدريب، مؤكداً أن الطبيب السوداني لا يزال يحظى بثقة المؤسسات الصحية داخل السودان وخارجه.
حوار: هيثم موسى
كيف تقيمون واقع التعليم الطبي في السودان بعد الحرب؟
شادول: الحرب تركت آثاراً عميقة على التعليم الطبي، كما فعلت في مختلف القطاعات. فالدمار الذي طال المؤسسات الصحية، إلى جانب النزوح الواسع وعدم الاستقرار، انعكس مباشرة على الجامعات ومراكز التدريب.
كما أن انتقال أعداد كبيرة من الأسر داخل السودان أو إلى خارجه جعل استمرار الدراسة أكثر صعوبة، خاصة أن نسبة كبيرة من المتدربين من الطالبات اللاتي تأثرت قدرتهن على الانتقال والإقامة بعيداً عن أسرهن. لذلك واجه التعليم الطبي تحديات غير مسبوقة أثرت في المؤسسات والطلاب وأعضاء هيئة التدريس معاً.
ما حجم الضرر الذي لحق بالمؤسسات التدريبية؟
شادول: الضرر كان كبيراً للغاية. فوفق تقديرات وزارة الصحة، خرج أكثر من 70 في المائة من المؤسسات الصحية عن الخدمة، ومعظمها كان يؤدي دوراً محورياً في التدريب السريري.
والتعليم الطبي يعتمد على الممارسة داخل المستشفيات والمعامل وأقسام التشخيص، وليس على الدراسة النظرية فقط، لذلك أدى فقدان هذه المؤسسات إلى تقليص الطاقة التدريبية بصورة كبيرة.
وزادت الأزمة مع نزوح الكوادر الصحية، وفقدان كثير من الأجهزة والمعدات، إلى جانب الانتهاكات التي تعرض لها بعض العاملين في القطاع الصحي، وهو ما ضاعف التحديات أمام استمرار التدريب.
هل فقد السودان جزءاً من قدرته على تخريج الاختصاصيين؟
نعم، فقدت البلاد جزءاً مهماً من قدرتها التدريبية، لكن الجامعات والمجلس السوداني للتخصصات الطبية سعيا إلى تقليل آثار الأزمة.
عدد من الجامعات نقل برامجه إلى ولايات أكثر استقراراً، بينما افتتح المجلس مراكز جديدة لمواصلة التدريب والامتحانات. وبعد اندلاع الحرب بأسابيع قليلة بدأ العمل من مدينة مدني، ثم انتقل لاحقاً إلى دنقلا بعد تغير الأوضاع الميدانية.
وخلال هذه الفترة استمرت الامتحانات وبرامج القبول، واعتمد المجلس على جهود العاملين الذين واصل كثير منهم أداء مهامهم رغم الظروف الصعبة.
ما خطتكم لإعادة بناء منظومة التدريب الصحي؟
إعادة البناء لا يمكن أن تقتصر على الأطباء فقط، لأن القطاع الصحي يقوم على منظومة متكاملة تضم التمريض والمختبرات والأشعة والتخدير والقابلات وسائر المهن الصحية.
ومن ثم، فإن أي خطة للتعافي ينبغي أن تنظر إلى هذه المنظومة كوحدة واحدة، وأن تركز على إعادة تأهيل الكوادر والبنية التحتية بالتوازي.
أين يقف المجلس اليوم مقارنة بما قبل الحرب؟
رغم كل التحديات، تمكن المجلس منذ اندلاع الحرب وحتى اليوم من تخريج نحو 2500 اختصاصي في 36 تخصصاً، وهو إنجاز يعكس قدرة المؤسسات على التكيف مع الأزمة والاستمرار في أداء رسالتها.
هل تأثرت برامج التدريب والامتحانات؟
الأعداد لم تنخفض بصورة كبيرة، لكن تنظيم التدريب والامتحانات أصبح أكثر تعقيداً بسبب فقدان عدد كبير من المؤسسات التدريبية.
ولهذا أنشأنا مراكز جديدة في عدد من الولايات، ووجدنا تعاوناً كبيراً من الحكومات المحلية والجامعات، التي وفرت مقاراً وسكناً للنواب، وأسهمت في استمرار البرامج التدريبية.
كما انعكس وجود المتدربين إيجاباً على الخدمات الصحية في الولايات، إذ ساعد انتقال الكوادر الطبية إليها في رفع مستوى الرعاية الصحية خلال فترة الحرب.
كيف يمكن الحد من هجرة الكفاءات الطبية؟
المجلس السوداني للتخصصات الطبية مسؤول عن التدريب والتقييم ومنح شهادات الاختصاص، أما استيعاب الخريجين فيقع ضمن مسؤوليات مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها وزارة الصحة.
المشكلة الأساسية تتمثل في محدودية الوظائف، وضعف الرواتب، وبيئة العمل التي تفتقر في كثير من الأحيان إلى الأجهزة والمعدات الأساسية. وفي المقابل، يجد الطبيب السوداني فرصاً أفضل في الخارج، سواء من حيث الدخل أو التطور المهني.
ولذلك فإن وقف الهجرة لا يتحقق بزيادة الرواتب وحدها، بل يتطلب حزمة متكاملة تشمل تحسين بيئة العمل، وتوفير فرص التدريب المستمر، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، وفتح مسارات واضحة للتطور الوظيفي.
هل يمكن الحديث عن نظام صحي متكامل بعد ما تعرضت له المستشفيات؟
بالتأكيد. لكن إعادة البناء يجب ألا تقتصر على إصلاح ما دمرته الحرب، بل ينبغي أن تقوم على رؤية وطنية متكاملة.
مرحلة ما بعد النزاعات تبدأ بالاستجابة الإنسانية، ثم إعادة الإعمار، ثم بناء نظام أكثر كفاءة واستدامة. والقطاع الصحي جزء من هذه المنظومة، ولا يمكن فصله عن التعليم والمياه والبيئة والاقتصاد.
إذا توفرت الإرادة السياسية والتخطيط العلمي، فإن السودان قادر على إعادة بناء نظام صحي حديث يلبي احتياجات المواطنين.
هل نحتاج إلى مستشفيات جديدة أم إلى تأهيل القائمة؟
الأولوية هي لإعادة تأهيل المستشفيات القائمة وتحديثها، ثم إنشاء مستشفيات جديدة وفق الاحتياجات السكانية والتوزيع الجغرافي.
كما ينبغي أن تقوم الخطة على مبدأ أن الرعاية الصحية حق لكل مواطن، وأن تمتد الخدمات إلى الريف كما تصل إلى المدن، مع التحول تدريجياً من التركيز على علاج الأمراض إلى تعزيز الصحة والوقاية منها.
هل لا يزال الطبيب السوداني يحتفظ بمكانته العالمية؟
نعم. الطبيب السوداني ما زال يحظى بثقة كبيرة في العديد من الدول، وأسهم خلال العقود الماضية في تطوير الخدمات الصحية وبرامج التخصص في أوروبا والخليج وأفريقيا وأميركا الشمالية.
ويرجع ذلك إلى جودة التدريب، والخبرة العملية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، وهي عوامل حافظت على سمعته حتى في ظل الظروف التي تمر بها البلاد.
ما الذي يميز خريج الطب السوداني؟
طبيعة التدريب تمنحه خبرة عملية واسعة، نتيجة التعامل مع أعداد كبيرة من المرضى وتحمل مسؤوليات مهنية مبكرة.
كما يعتمد نظام التدريب على التنقل بين مستشفيات مختلفة والعمل تحت إشراف عدد من الاستشاريين، وهو ما يوسع خبراته ويمنحه قدرة أكبر على التعامل مع الحالات المعقدة والظروف الطارئة.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من مستقبل الطب؟
بالتأكيد. الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة في التعليم الطبي والتشخيص وإدارة البيانات الصحية.
لكن نجاح استخدامه يتطلب إعداد الطلاب وأعضاء هيئة التدريس للتعامل معه بصورة علمية، بحيث يكون أداة لدعم القرار الطبي، لا بديلاً عن الطبيب أو عن الخبرة السريرية.
ومع التطور المتسارع في الجراحة الروبوتية والمناظير الذكية وأنظمة التشخيص الرقمية، ستزداد أهمية هذه التقنيات خلال السنوات المقبلة.
لماذا يظل الإنفاق على الصحة أقل من المطلوب؟
الإنفاق على الصحة تراجع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبح التركيز منصباً على الاستجابة للطوارئ.
إذا أردنا إصلاح القطاع الصحي، فلا بد من زيادة الميزانية تدريجياً وفق خطة واضحة، لأن تحسين الخدمات الصحية يبدأ بتوفير التمويل اللازم، إلى جانب الاستثمار في الكوادر البشرية والبنية التحتية.
هل يمكن للقطاع الخاص أن يكون شريكاً حقيقياً؟
بالتأكيد. القطاع الخاص شريك رئيسي في أي مشروع لإعادة بناء النظام الصحي، وينبغي أن يشارك في وضع الخطط، لا أن يقتصر دوره على الاستثمار.
كما يجب دعم الصناعة الوطنية للأدوية والمعدات الطبية، والتوسع في مظلة التأمين الصحي، حتى تصبح الخدمات الصحية أكثر عدالة واستدامة.
هل أخطأ السودان في التوسع الكبير في إنشاء كليات الطب؟
المشكلة ليست في عدد الكليات، بل في جودة التعليم.
وجود أكثر من 107 كليات طب يستوجب مراجعة شاملة، لأن الطب مهنة عالمية تخضع لمعايير دقيقة في الاعتماد والجودة.
وأعتقد أن خمسين كلية تستوفي المعايير الدولية أفضل من مائة كلية لا تحقق متطلبات الجودة، فالمعيار الحقيقي ليس عدد الخريجين، وإنما مستوى تأهيلهم.
ما المطلوب من الدولة لإنقاذ القطاع الصحي؟
المطلوب رؤية وطنية متكاملة، تبدأ بزيادة الإنفاق على الصحة، وتنسق بين مختلف مؤسسات الدولة، لأن الصحة ترتبط بالتعليم والاقتصاد والبيئة والمياه.
ولا يمكن تحقيق نهضة صحية من دون تمويل كافٍ وإدارة فعالة واستثمار في الكوادر البشرية.
ما رسالتكم إلى طلاب الطب؟
أدعوهم إلى عدم الاستسلام للظروف، والاستمرار في التعلم والتدريب، لأن البلاد ستحتاج إلى كل طبيب مؤهل في مرحلة إعادة الإعمار.
كما أن الجامعات استطاعت، رغم الصعوبات، توفير بدائل مكّنت أعداداً كبيرة من الطلاب من مواصلة دراستهم.
وماذا تقولون للأطباء العاملين في مناطق النزاعات؟
أتوجه إليهم بالشكر والتقدير على ما يقدمونه من تضحيات في ظروف بالغة الصعوبة.
لقد حرص المجلس على إنشاء مراكز تدريب في عدد من الولايات حتى لا تتوقف مسيرتهم المهنية، وأتمنى أن يجدوا كل الدعم الذي يستحقونه.
كيف تنظرون إلى دور الجامعات الخاصة؟
سيكون لها دور مهم في مرحلة التعافي، لما تتمتع به من مرونة وقدرة على استئناف الدراسة وإعادة تأهيل مؤسساتها بسرعة.
وأتمنى أن تحظى بالدعم اللازم حتى تسهم بفاعلية في إعادة بناء التعليم الطبي.
ما الإنجاز الذي تتمنون أن يذكركم به التاريخ؟
أحمد الله على ما أتيح لي من خدمة السودان في الداخل، والعمل مع منظمة الصحة العالمية في عدد من الدول ومناطق النزاعات.
وأعتبر استمرار عمل المجلس السوداني للتخصصات الطبية خلال الحرب، والحفاظ على برامج التدريب والتخصص، من أبرز الإنجازات التي أعتز بها، وأتمنى أن تستفيد منها الأجيال المقبلة.
بعد أكثر من أربعة عقود في الطب… هل يغلب عليكم القلق أم التفاؤل؟
هناك أسباب للقلق، أبرزها استمرار الحرب وعدم الاستقرار، لكن هناك أيضاً أسباب قوية للتفاؤل.
السودان يمتلك موارد طبيعية وبشرية كبيرة، وإذا تحقق السلام، وتوافقت الإرادة الوطنية، ووُضعت خطط علمية قابلة للتنفيذ، فإنه قادر على استعادة مكانته، ليس فقط في القطاع الصحي، بل في مختلف المجالات.
رسالتي إلى الجميع أن يجعلوا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لأن السلام هو المفتاح الحقيقي لإعادة بناء الصحة والتعليم وتحقيق التنمية.

