تقارير

السودان في القمة الروسية الإفريقية برئاسة البرهان.. عودة إلى المشهد الدولي ودلالات استراتيجية

تقرير : محمد دقلي

تأتي مشاركة السودان في القمة الروسية الإفريقية، برئاسة رئيس مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، وسط تحديات سياسية وأمنية واقتصادية تفرضها الحرب وتداعياتها على الدولة والمجتمع. وتحمل هذه المشاركة دلالات سياسية ودبلوماسية تتجاوز حدود الحضور البروتوكولي، لتؤكد أهمية استمرار السودان في التواصل مع محيطه الإقليمي والدولي، والدفاع عن قضاياه الوطنية في المنابر الخارجية.

وتكتسب المشاركة أهميتها من كونها تأتي في وقت تتصاعد فيه الجهود الرامية إلى حشد المواقف الدولية والإقليمية بشأن الأزمة السودانية، بما يجعل حضور القيادة السودانية في مثل هذه المحافل فرصة لعرض رؤية الدولة تجاه تطورات الأوضاع، وشرح موقفها من التحديات التي تواجه وحدة البلاد وسيادتها وسلامة أراضيها.

البرهان في القمة.. تأكيد على حضور الدولة السودانية
يمثل حضور الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في القمة الروسية الإفريقية، وفق قراءة سياسية لمشاركة السودان، مؤشراً على استمرار تحرك القيادة السودانية خارجياً، وسعيها إلى تعزيز علاقات البلاد مع القوى الدولية والدول الإفريقية، في ظل الحرب التي تشهدها البلاد منذ أبريل 2023.

وتأتي هذه المشاركة في مواجهة محاولات تصوير السودان باعتباره دولة معزولة عن محيطها، إذ تتيح اللقاءات الدولية مساحة للتحرك الدبلوماسي، وتوضيح موقف الحكومة السودانية من الأزمة، والتأكيد على أهمية الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها.

كما تحمل المشاركة رسالة سياسية مفادها أن السودان يسعى إلى تثبيت حضوره في المحافل الدولية، وتعزيز التعامل مع مؤسساته الرسمية، بما يدعم موقفه في القضايا المرتبطة بالحرب ومستقبل التسوية السياسية والأمن والاستقرار.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أهمية المشاركة لا تقتصر على الوجود في قاعة القمة، بل ترتبط بمدى قدرة السودان على تحويل هذا الحضور إلى تفاهمات عملية، ومواقف داعمة، وشراكات تخدم مصالحه الوطنية في هذه المرحلة الاستثنائية.

البعد الإفريقي.. تضامن القارة ومصالح مشتركة
لا تقتصر أهمية القمة الروسية الإفريقية على العلاقات بين موسكو والعواصم الإفريقية، بل تمتد إلى القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية التي تشغل دول القارة، وفي مقدمتها النزاعات المسلحة، وحماية السيادة الوطنية، وتعزيز فرص التنمية والاستقرار.

ويحظى السودان بموقع جغرافي واستراتيجي مهم في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، الأمر الذي يجعل استقراره عاملاً مؤثراً في أمن المنطقة، وحركة التجارة، والتعاون الإقليمي.

ومن هذا المنطلق، تمثل مشاركة السودان فرصة لطرح تداعيات الحرب على دول الجوار، وتعزيز التنسيق مع الدول الإفريقية بشأن القضايا الأمنية والإنسانية، وحشد الدعم للجهود الرامية إلى إنهاء الحرب واستعادة الاستقرار.

كما تتيح القمة المجال أمام السودان لتأكيد أهمية احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية التي من شأنها تعقيد الأزمات وإطالة أمد الصراعات.

ويظل الرهان الأساسي على قدرة الدبلوماسية السودانية على بناء مواقف مشتركة مع الدول الإفريقية، تستند إلى المصالح المتبادلة، وتدعم الحلول التي تحفظ للسودان وحدته واستقلال قراره الوطني.

روسيا والسودان.. آفاق للتعاون وتبادل المصالح
تحمل المشاركة السودانية في القمة أبعاداً أخرى تتصل بالعلاقات مع روسيا، التي تتمتع بثقل سياسي ودبلوماسي دولي، باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، إلى جانب علاقاتها المتعددة مع الدول الإفريقية.

ويتيح هذا الحضور فرصة لبحث مسارات التعاون المشترك، خصوصاً في المجالات الاقتصادية والاستثمارية، والاستفادة من الموارد الطبيعية التي يزخر بها السودان، فضلاً عن تعزيز التواصل السياسي والدبلوماسي بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

ويحتاج السودان، في ظل الظروف الراهنة، إلى توسيع خياراته في العلاقات الخارجية، والانفتاح على الشراكات التي تسهم في إعادة بناء ما دمرته الحرب، وتحريك القطاعات الإنتاجية، واستعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة البيئة الملائمة للتعافي الاقتصادي.

ويمتلك السودان إمكانات كبيرة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والطاقة، وهي موارد يمكن أن تشكل أساساً لشراكات اقتصادية ذات عائد متبادل، إذا ما توافرت الضمانات اللازمة للاستثمار، وتحققت الظروف الأمنية والسياسية المناسبة.

ومن هنا، فإن الأهمية الحقيقية للعلاقات السودانية الروسية لا ينبغي أن تتوقف عند حدود اللقاءات السياسية، بل تمتد إلى مدى القدرة على ترجمة التفاهمات إلى مشروعات عملية تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز قدرات الدولة على تجاوز آثار الحرب.

الأمن والاستقرار.. رسائل السودان إلى المجتمع الدولي
تفرض الحرب الدائرة في السودان تحديات تتجاوز الحدود الوطنية، بالنظر إلى تداعياتها الإنسانية والأمنية والاقتصادية على المنطقة. ولذلك، فإن مشاركة السودان في المحافل الدولية تتيح فرصة لطرح رؤيته بشأن إنهاء الصراع، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن الإقليمي.

ومن المتوقع أن تتركز الأولويات السودانية على أهمية دعم الاستقرار، ومكافحة الإرهاب، والتصدي للتهديدات العابرة للحدود، وتعزيز أمن البحر الأحمر، فضلاً عن معالجة القضايا المرتبطة بالنزوح واللجوء والهجرة غير النظامية.

كما تبرز الحاجة إلى توسيع التعاون الدولي في مجالات إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية، ودعم القطاعات الإنتاجية، بما يساعد على تهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين، واستعادة الحياة الطبيعية في المناطق المتضررة.

وفي هذا الإطار، تظل حماية سيادة السودان ووحدته الوطنية، ودعم المساعي الجادة لإنهاء الحرب، من أبرز القضايا التي يتطلع السودان إلى حشد التأييد الدولي والإقليمي بشأنها.

الأمن الغذائي.. السودان من دائرة الأزمة إلى فرص الإنتاج
يمتلك السودان مقومات زراعية وإنتاجية تؤهله للإسهام في تعزيز الأمن الغذائي على المستويين الإقليمي والدولي، بفضل أراضيه الزراعية الواسعة وموارده المائية وثروته الحيوانية.

غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل مرتبطة بإنهاء الحرب، وتأمين مناطق الإنتاج، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتوفير التمويل ومدخلات الإنتاج، إلى جانب تطوير وسائل النقل والتخزين والتصنيع الزراعي.
ويمكن للتعاون مع روسيا والدول الإفريقية أن يفتح آفاقاً جديدة في مجالات الزراعة الحديثة، ونقل التقانات، وتوفير المعدات ومدخلات الإنتاج، وتطوير الصناعات المرتبطة بالمنتجات الزراعية والحيوانية.
ومن شأن هذه الشراكات، إذا ما أُحسن توظيفها، أن تسهم في دعم الاقتصاد السوداني، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الصادرات، وتحويل الموارد الطبيعية من إمكانات كامنة إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

ما بعد القمة.. الاختبار الحقيقي لنجاح المشاركة
على الرغم من الدلالات السياسية التي تحملها مشاركة السودان في القمة الروسية الإفريقية، فإن التحدي الأهم يتمثل في القدرة على البناء على هذا الحضور، وتحويله إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
فالمكاسب الدبلوماسية لا تُقاس بمجرد المشاركة في المؤتمرات والقمم، وإنما بمدى ما تحققه من تفاهمات واتفاقيات، وما تفتحه من قنوات للتعاون، وما توفره من دعم للمواقف الوطنية، وما تسهم به في تحسين الأوضاع الاقتصادية والأمنية والإنسانية.

ويحتاج السودان إلى تحرك دبلوماسي منظم، يستند إلى رؤية واضحة وأولويات محددة، ويعمل على توسيع دائرة علاقاته الدولية، وتعزيز التعاون مع الدول الإفريقية، والاستفادة من علاقاته مع القوى الكبرى بما يخدم مصالحه العليا.

كما أن نجاح هذا التحرك يرتبط بقدرة الدولة على استعادة الاستقرار الداخلي، وتوفير البيئة المناسبة للإنتاج والاستثمار، والعمل على إنهاء الحرب ومعالجة آثارها الإنسانية والاجتماعية.

حضور سياسي ومسؤولية وطنية
تأتي مشاركة السودان في القمة الروسية الإفريقية برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في توقيت بالغ الحساسية، لتؤكد أهمية استمرار الحضور السوداني في الساحة الدولية، والدفاع عن قضايا البلاد، وتعزيز علاقاتها مع محيطها الإفريقي وشركائها الدوليين.
وبين رمزية المشاركة والرهانات المترتبة عليها، يبقى المطلوب هو تحويل الحضور الدبلوماسي إلى مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية تسهم في حماية سيادة السودان، وصون وحدته، ودعم مؤسساته، وتهيئة الطريق أمام إعادة الإعمار واستعادة الحياة الطبيعية.

إن السودان، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وموارد طبيعية وإمكانات بشرية، قادر على استعادة دوره الإقليمي والدولي متى ما توافرت شروط السلام والاستقرار، وتكاملت الجهود الوطنية والدبلوماسية لبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.

سودان آمن، مستقر، موحد ومتطور.. هدف وطني يتطلب عملاً متواصلاً، وشراكات متوازنة، وإرادة قادرة على تحويل التحديات إلى فرص.

* الحركة الرياضية – حلفا الجديدة | الملحق الإعلامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى