الصفر البارد.. جلال الدين محمد ابراهيم يكتب: كيف وصل الدرهم الإماراتي إلى بنك السودان؟!

في خضم الحرب المدمرة التي يشهدها السودان، ومعاناة الشعب من ويلات النزوح والفقد، يخرج مسؤولون اقتصاديون ليبشروا بتحقيق “نتائج إيجابية” في استقرار العملة الوطنية. لكن المفارقة التي تثير الاستغراب، بل والسخرية، هي أن هذه التصريحات لا تكاد تخلو من مقارنة أداء الجنيه بالدرهم الإماراتي، وكأنه المقياس الوحيد لصحة الاقتصاد السوداني.
وكلنا نعرف أن الإمارات هي أساس ما حدث من دمار في السودان، بل هي التي قتلت الشعب ونسفت البنية التحتية للدولة من مؤسسات ومتاحف وبنوك وكباري، وساهمت في سرقة ممتلكات المواطنين على يد الميليشيات والمرتزقة.
ظاهرة التركيز على الدرهم الإماراتي
عند متابعة تصريحات المسؤولين في بنك السودان المركزي ووزارة المالية، نجد أنفسنا أمام ظاهرة لافتة، وهي أن الحديث عن انخفاض سعر الصرف لا يتعدى كونه حديثاً عن انخفاض الدرهم الإماراتي مقابل الجنيه. أما الحديث عن الدولار، أو الريال السعودي، أو اليورو، أو اليوان الصيني – وهي عملات تمثل شركاء تجاريين رئيسيين للسودان – فهو غائب تماماً عن الخطاب الرسمي، وكأن الاقتصاد السوداني يعيش في فلك الدرهم وحده.
هذا التركيز يوحي بأن البلاد ما زالت تستورد معظم احتياجاتها من الإمارات، وهو افتراض غير صحيح في ظل تنوع مصادر الاستيراد. كما يثير تساؤلات مشروعة حول المعايير التي يعتمدها البنك المركزي في تقييم أداء العملة الوطنية.
تصريحات مريبة في وقت عصيب
وصلني تصريح لمحافظة بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، تعلن فيه ضخ 400 مليون درهم للجهاز المصرفي لمقابلة طلبات الاستيراد منذ 23 يونيو الحالي، مشيرة إلى أن هذه الخطوة أسهمت في انخفاض سعر الدرهم مقابل الجنيه إلى 1200 جنيه، واعتبرت أن ذلك شكّل “نقلة مميزة” ووفّر للمستوردين احتياجاتهم.
السؤال الذي يفرض نفسه بقوة
من أين حصل بنك السودان المركزي على مبلغ 400 مليون درهم، وليس دولاراً؟ ولماذا كانت العملة بالدرهم تحديداً؟.
فهل ما زالت الإمارات على علاقة اقتصادية مع حكومة السودان، رغم كل الدمار الذي صنعته في البلاد؟ وما حقيقة العلاقة التي جلبت لبنك السودان هذا المبلغ بالدرهم، وليس بالدولار أو الريال السعودي أو اليورو؟ ومن أين جاء مصدر هذا المبلغ؟.
وهل المقاطعة مع الإمارات مجرد كلام لترضية الشعب؟ ومن الذي تسبب في مقتل أهلنا، وسرقة ممتلكاتنا، وتدمير منازلنا، ونهب كل ما نملك؟ ألم تكن الإمارات شريكاً أساسياً – بحسب الاتهامات الرسمية – في هذه الحرب التي فُرضت على الشعب السوداني؟.
سؤال آخر لا يقل أهمية
كيف يقبل شعب فقد أبناءه ونساءه في حرب دموية، وخسر كل ما يملك من أثاث وسيارات بسبب الحرب، أن يأتي مسؤول اقتصادي ليقارن قيمة الجنيه بالدرهم الإماراتي وكأن شيئاً لم يكن؟.
تناقض صارخ بين السياسة والاقتصاد
في مايو 2025 أعلن مجلس الدفاع والأمن السوداني قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات على خلفية اتهامها بدعم قوات الدعم السريع. ورغم ذلك، نجد الخطاب الاقتصادي الرسمي لا يزال يتعامل مع الدرهم الإماراتي كعملة مرجعية، في تناقض واضح مع الموقف السياسي.
وتشير الأرقام إلى أن الإمارات كانت تستحوذ على نحو 50% من حجم الصادرات السودانية، ومعظمها من الذهب. وقد يفسر هذا الارتباط الاقتصادي الوثيق، ولو جزئياً، استمرار التركيز على الدرهم، لكنه لا يبرره في ظل ما يحدث على الأرض.
آخر المَداد
ما نراه هو خلل جوهري في السياسة الاقتصادية، حيث أصبح الدرهم الإماراتي هو المقياس الذي تتمايل على إيقاعه تصريحات المسؤولين، بينما يعاني المواطن من تدهور معيشي غير مسبوق في ظل حرب تسببت فيها أطراف إقليمية وخارجية، وفي مقدمتها – بحسب الكاتب – الإمارات.
إن تركيز البنك المركزي على الدرهم بدلاً من سلة عملات متنوعة يعكس، إما قصوراً في الرؤية، أو تبعية اقتصادية لا تليق بدولة مستقلة، مما يشي – إن لم يُقدَّم تفسير واضح – بوجود ارتباط خفي بين جهات حكومية والإمارات.
فما لم توضح محافظة بنك السودان كيف وصل مبلغ الـ400 مليون درهم إلى البنك، ومقابل ماذا تم توريده، ستظل الأسئلة قائمة. وحتى إذا كان هذا المبلغ يمثل عائدات صادر، فإن ذلك يعني أن العلاقة التجارية مع الإمارات لم تنقطع، بل لا تزال تحقق تحويلات بهذا الحجم.
لذلك، نرجو من محافظة بنك السودان أن تتكرم بتوضيح كيفية وصول هذا المبلغ إلى البنك، ومقابل ماذا، ولها الشكر.
وحسبنا الله ونعم الوكيل، وستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

