بعد التسبيكة.. عادل مساعد يكتب: “أكل عيش”.. الفاضل سعيد ومأساة الخدمة المدنية في السودان

رغم مرور ما يقارب أربعة عقود على عرض مسرحية “أكل عيش” للفنان الراحل الفاضل سعيد، إلا أن تفاصيلها ما تزال حاضرة بقوة في واقع الخدمة المدنية بالسودان، وكأن الزمن توقف عند تلك المفارقات التي تناولها العمل بسخرية ذكية وواقعية مؤلمة.
المسرحية لم تكن مجرد عمل كوميدي للترفيه، بل كانت قراءة عميقة ومبكرة لأزمات الإدارة الحكومية، والمحسوبية، والواسطة، واختلال العدالة الوظيفية، والفوارق في الامتيازات والرواتب، وهي القضايا ذاتها التي ما يزال الموظف السوداني يواجهها حتى اليوم.
ففي الخدمة المدنية، كثيراً ما يصبح “الحظ” هو العامل الحاسم في تحديد مستقبل الموظف؛ فإن صادف مؤسسة قوية وذات امتيازات، أصبح من أصحاب “الحظوظ السعيدة”، وإن قادته الأقدار إلى مؤسسة ضعيفة ومثقلة بالأزمات، وجد نفسه يصارع ضنك المعيشة وقلة المرتب وضعف الامتيازات.
ولا تزال شكاوى العاملين تتصاعد بسبب التفاوت الكبير في الهياكل الراتبية والبدلات بين المؤسسات، حتى أصبح تحقيق العدالة الوظيفية حلماً مؤجلاً يراود آلاف الموظفين الذين ينتظرون إصلاحاً حقيقياً ينهي هذا الخلل المزمن.
عبقرية الفاضل سعيد تجلت في قدرته على تحويل معاناة الخدمة المدنية إلى عمل مسرحي خالد، ظل قابلاً للعرض والتكرار لأن الواقع نفسه لم يتغير كثيراً. فبعض المؤسسات ما تزال تتعامل مع موظفيها وكأنهم “طيش الفصل”، فيما تستمر ثقافة التمييز والتفاوت في الفرص والترقيات.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن المواطن والموظف باتا يعيشان حالة من التكيف القسري مع الأزمات، حتى أصبحت المعاناة اليومية تُقدَّم أحياناً باعتبارها “تحسناً” مقارنة بما هو أسوأ.
وهنا تحضر قصة جحا الشهيرة؛ حين اشتكى رجل من ضيق غرفته التي لا تتسع له ولأبنائه، فنصحه جحا بإدخال الحمار معهم، ثم الدجاج، ثم الغنم. وبعد أن ضاقت به الحياة أكثر، طلب منه إخراج الحمار، فشعر الرجل براحة كبيرة، ثم أخرج الدجاج والغنم، فظن أنه يعيش في نعيم.
وهكذا يبدو حال كثيرين اليوم؛ فحين تتراكم الأزمات فوق الأزمات، يصبح مجرد تخفيف جزء صغير منها مدعاة للفرح، رغم أن أصل المعاناة ما يزال قائماً.
السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تغيرت فعلاً شخوص “أكل عيش”؟
أم أن المسرحية ما تزال تُعرض كل يوم، ولكن على خشبة الواقع؟

