دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الحوار وإن طال السفر (8)

من أخطر أخطاء التجارب الاستثنائية أو الاتقالية التي تعقب الثورات أو الحروب الخلط بين الوثيقة التي تنظم مرحلة مؤقتة والدستور الذي يؤسس لدولة دائمة. فالسلطة الانتقالية، مهما كانت ضرورتها، لم تُمنح تفويضاً تأسيسياً يسمح لها برسم مستقبل الدولة نيابة عن الشعب.
والسودان اليوم يحتاج إلى ورقة دستورية انتقالية تنظم المرحلة الاستثنائية، وتحدد مؤسساتها واختصاصاتها ومدتها وكيفية انتهائها، حتى لا يتحول الانتقال إلى فراغ أو فوضى أو صراع بين السلطات. لكنها، في كل الأحوال، ليست دستور السودان الدائم، بل جسرٌ يعبر به الوطن من الشرعية الاستثنائية إلى الشرعية الدستورية المنتخبة.
أما الدستور الدائم، فلا ينبغي أن يكون ثمرة اتفاق عابر أو نتاج لجان حوار أو حكومة انتقالية أو قوى سياسية اجتمعت تحت ضغط ظرف استثنائي. إنه عقد الدولة والمجتمع، ومن ثم يجب أن يستند إلى الإرادة الشعبية، وأن تشارك في صناعته المؤسسات المنتخبة والمجتمع والأقاليم والقوى المختلفة. وغير ذلك قد يعني، عملياً، مصادرة حق الأجيال في المشاركة في تأسيس دولتهم وتحديد شكل مستقبلهم.
ولا يعني ذلك أن الحوار بلا دور في المستقبل الدستوري للسودان؛ بل يمكنه الاتفاق على المبادئ الكبرى التي تهتدي بها المؤسسات المنتخبة: المواطنة، والمساواة، والحرية، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، والتداول السلمي للسلطة. لكن الاتفاق على المبادئ شيء، والحلول محل الشعب في وضع الدستور شيء آخر. فالورقة الدستورية تنظم الانتقال، أما الدستور الدائم فيؤسس الدولة؛ وبينهما حدٌّ لا ينبغي أن يضيع مرة أخرى.
الخرطوم 20 سبتمبر 2026

