حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني يكتب: اقرعوا جنوب السودان

(1)
كتبتُ في مقالي الأخير عن العلاقة الشعبية بين السودان وجيرانه، وقلت إن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي هو الوحيد من الرؤساء المجاورين للسودان (أبي أحمد، سلفاكير، وكاكا دبي) الذي فهم الشعب السوداني فهماً حقيقياً، عندما قال إن موقفنا في هذه الحرب من الدولة السودانية ومؤسساتها نعتبره رصيداً مستقبلياً لشعبنا، لأن شعب السودان شعب وفيّ لا ينسى من آزره ووقف معه، أو كما قال.
أما محمد كاكا دبي فهو عديم التجربة، لعب المال السياسي بعقله، ففعل ما فعل معنا. وأكاد أجزم أن الشعب التشادي ينظر للشعب السوداني باحترام وتقدير كبيرين، فالحرب الحالية ليس للشعب التشادي يد فيها، إنما قوامها عربان الشتات، منهم التشادي ومنهم من عبر تشاد إلى السودان.
أما أبي أحمد فهو يدرك تماماً أن أي حرب سودانية/إثيوبية ستكون عواقبها وخيمة على البلدين، وقد أثبت التاريخ القريب والبعيد ذلك.
(2)
تبقى مشكلتنا الحقيقية مع دولة جنوب السودان، فهذه الحكومة الجنوبية وهذا الشعب الجنوبي هما المحتاجان لوقفة.
نعم، كانت هناك حرب طويلة بين شقي السودان الشمالي والجنوبي منذ 1955 إلى 2005، مع فترات توقف قليلة، أطولها هي العشرية التي أعقبت اتفاقية أديس أبابا 1973، ولكننا في النهاية افترقنا بإحسان، والروابط الاقتصادية بيننا قوية: بترول وسلع غذائية من الشمال للجنوب.
ولكن في الحرب الأخيرة أظهرت حكومة الجنوب كثيراً من الشماتة فينا، هذا إذا لم نقل تآمرت علينا، وكانت أول دولة تستقبل يوسف عزت بعد اندلاع الحرب.
أما عدد المقاتلين الجنوبيين في مليشيا الدعم السريع فقد كان كبيراً، كانوا الأكثر هجوماً على المدرعات، واشتركوا في غزو الجزيرة، وفي حصار الفاشر ثم غزوها.
وبعد ارتخاء عصب العطاوة أصبحوا المكون الرئيسي في الدعم السريع. لقد جاءوا كمرتزقة، أي بتعاقدات فردية، ولكن هذا لا ينفي أن الحكومة الجنوبية كان يمكن أن تحدّ من تدفقهم، لولا المال السياسي والشماتة ورواسب الأحقاد القديمة، وربما أطماع في السودان وأرضه.
(3)
الآن، وبعد التحور الكبير الذي حدث للدعم السريع، والذي عبّر عنه حميدتي في زيارته ليوغندا بالبدلة النمرية وقوله صراحة إنه فارق العالم العربي والإسلامي فراق الطريفي لجمله، ثم تواثقه مع الحركة الشعبية بقيادة عبد العزيز الحلو، الذي يعتبر نفسه جزءاً من الحركة الشعبية التي تحكم الجنوب، بعد هذا التحور ـ وليس التحول ـ حدث انتقال كبير من فكرة دولة العطاوة.
وتمظهر ذلك في التضحية بمستريحة، وما أعقب ذلك من خروج للمحاميد ووقوف في الضفة الأخرى. وقد سبق أن قلنا بذلك قبل حدوثه، ليس تكهناً بالغيب أو شطارة منا، إنما لأن كل المعطيات تقول ذلك.
والآن من المرجح أن تصبح إدارة الدعم السريع الفعلية بيد الحركة الشعبية، وساعتها سيكون الإمداد البشري من جنوب السودان هو وقود الحرب ضد السودان.
وطبعاً من خلف جنوب السودان تقف كينيا ويوغندا، وهما يعجبانك في العداوة والكيد للسودان، وسوف تكون مساهمتهما كبيرة جداً في الحرب ضد السودان عبر جنوب السودان.
كينيا سوف يكون دعمها سياسياً، ويوغندا قد تصل مرحلة الدعم العسكري. وبهذا تصبح دولة جنوب السودان دولة أصيلة ووظيفية في حربها مع السودان.
(4)
الذي نود قوله هنا إن مخطط استهداف السودان مستمر، وليس هناك ما يدل على أن رعاة هذا المخطط قد تنازلوا عنه.
فإذا ما استمرت هذه الحرب، لا سمح الله، سيكون لدولة جنوب السودان نصيب الأسد فيما سيأتي منها، فإذا حدث هذا نكون نحن الملامين، إذ ما كان ينبغي أن نفرط في جنوب السودان مهما كانت دوافعه في عدائنا.
لقد كان جزءاً منا، وكان ينبغي أن نكون نحن الأعرف بما يدور فيه، لا سيما وأن شعبه لا يكنّ لنا أي عداء، خاصة الأجيال التي نشأت بعد الانفصال، فهي الآن تتحدث العربية، وتغني الغناء السوداني، وتحب على الطريقة السودانية.
إن التفريط في الجنوب يدل على فشل دبلوماسي وسياسي واستخباري.
ورغم كل الذي تقدم، أظن أنه ما زالت أمامنا الفرصة في استعادة الجنوب إلى صفنا، بافتراض أننا الأعرف به، هذا إذا بطلنا العشوائية في تعاملنا معه.
ويا نجوم الليل اشهدي على لوعتي، وتنهدي من فصل جنوب السودان.

