مقالات

حاطب ليل.. د. عبد اللطيف البوني يكتب: محضر اجتماع لم ينعقد

(1)

لو كنت مكان الحكومة، الحكومة بشقّيها السيادي والتنفيذي، لذهبت بنفسي على متن حافلة تسع 28 راكبًا (دليل تقشّف وربط حزام)، ولو زاد العدد، يركب البقية المواصلات العامة، إلى رئاسة مشروع الجزيرة ببركات، وأجمعت بكل مؤسسات مشروع الجزيرة، وعلى رأسهم مجلس تنظيم جمعيات مهن الإنتاج الزراعي، أو استدعيتهم على وجه السرعة إلى القصر الجمهوري.

لو الحافلة امتلأت، البقية تركب الشارع، في الحالتين؛ لكي يرى المسؤولون عذابات صفافير الطريق، ويحتكوا بالمواطن. يمكن اعتبار ركوب المسؤولين للمواصلات العامة (حركة في شكل وردة)، وعلى العموم، هذه ليست قضيتنا اليوم.. نرجع لموضوعنا.

(2)

بند الاجتماع واحد.. يا جماعة الخير، ثم واصل ممثل الحكومة:
لا شك أنكم متابعون لما يجري في العالم والإقليم من حروب، وتقاطع استراتيجيات، وإغلاق مضايق، ومسيّرات عمياء تضرب كل اتجاه، وما نتج عن ذلك من أزمة اقتصادية عالمية.

لا شك أنكم متابعون ما يجري في بلادنا من حرب ضروس، وتكالب الأعداء علينا. أمر الحرب لم يتوقف على ميادين القتال، بل أصبحت اقتصادية درجة أولى. حتى الطبيعة قست علينا، فموسم الأمطار هذا العام، كما تعلمون، كان مخيبًا للآمال.

خلاصة الأمر، نحن مواجهون بأيام عصيبة قادمة، فإذا لم نتحوّط لها منذ الآن، فإن بلادنا ستكون مهددة في وجودها.

من الآخر كده، يا ناس الجزيرة، نحن كحكومة مسؤولة أمام الله وأمام الشعب، وضعنا خطة إسعافية عاجلة، من أهم محتوياتها أننا دايرين بلادنا تنتج في الموسم الشتوي القادم مليون طن من القمح، ولا بد أن يكون للجزيرة نصيب الأسد من هذه الحصة.
يلا، عاوزين نسمع منكم.

(3)

تلخّص رد وفد الجزيرة في الآتي:
لا بد من زراعة مساحة لا تقل عن 450 ألف فدان، والحمد لله، متوفرة.
في الأربعة أشهر القادمة، يجب أن يكون سحب المياه من الخزانين، الروصيرص وسنار، للزراعة مقدّمًا على تمريرها للكهرباء، والحمد لله أن حاجة الخرطوم للكهرباء للقطاع السكني فقط.

عاوزين عشرين كراكة «جيب طويل» فورًا.
مطلوب فورًا جازولين لتحضير الأرض، ثم جازولين للحصاد. سوف نحدد لكم الكمية قبل نهاية هذه الجلسة.

مطلوب 900 ألف جوال داب فورًا، أي جوالان لكل فدان.
ومطلوب 2,600,000 جوال سماد يوريا، أي أربعة جوالات لكل فدان.
مطلوب تقاوي معفّرة ومبيدات وخيش، وسوف نحدد لكم الكمية بعد قليل.

مطلوب اثنان تريليون جنيه سوداني لكل اللوجستيات.
وأهم حاجة، مطلوب إعلان سعر تركيزي بواقع 750,000 جنيه للجوال زنة مائة كيلو، تُدفع يوم التسليم للمطاحن، هذا بعد خصم كل المدخلات أعلاه، بما فيها ضريبة المياه والأعباء الإدارية.
بعبارة أخرى، كل هذه الأموال المدفوعة سوف ترجع لخزينة الدولة وبالجنيه السوداني (صُرّة وخيط)، هذا بعد أن تكون كل المطاحن في البلاد قد هدرت بالقمح المحلي.

(4)

قالت الحكومة: جميل جدًا، خلونا نرفع الجلسة ونناقش الأمر كحكومة ونفيدكم، وخليكم قاعدين معانا. يلا، أدونا تقديرات الجازولين وبقية الحاجات.

أصرت وزارة المالية على قول كلمة قبل رفع الجلسة، فقالت:
يا جماعة الخير، نحن في وزارة المالية شايفين التكلفة دي كبيرة جدًا، نحن بأقل منها ممكن نستورد المليون طن هذه، ومن غير أي دوشة.
رد عليها أحد أعضاء وفد الجزيرة بالقول:

يا سعادة الوزارة، أنتم قلتم إن العالم مضطرب، وما في ضمان لأي حاجة ما في يدك.

ثم ثانيًا، هذه المطلوبات تعني توطين القمح، بمعنى أن العام القادم سوف تنخفض التكلفة إلى النصف أو أقل.

التحضير للعام القادم سوف تنخفض تكلفته؛ لأن القنوات ستكون قد أُصلحت، والأسمدة باقية في الأرض. يعني العام القادم نحتاج إلى نصف المبلغ.

ولزراعة أي محصول غير القمح، يعني قروش التحضير والسماد وإصلاح القنوات ليست لموسم واحد، بل لثلاثة مواسم زراعية على الأقل.

التقاوي يمكن أن تُنتج محليًا، لا بل وتُصدّر وتدر عملة صعبة كمان، كما حدث من قبل عندما صدّرنا تقاوي قمح لنيجيريا.

بالإضافة إلى ذلك، سوف يزدهر قطاع النقل، وقطاع التجارة. وسوف تستفيد الثروة الحيوانية من الردة (بفتح الراء)، ومن مخلفات المحصول.

وفوق كل هذا وذاك، كل هذه الأموال سوف تُسترد للخزينة العامة بالعملة المحلية. لن تكون هناك حاجة لزيادة الدولار الجمركي، ولا لطباعة قروش، وسوف تتحسن قيمة الجنيه السوداني.
يا جماعة الخير ويا حكومة، أقول ليكم حاجة: والله نحن كمزارعين، القمح دا ذاتو مكجّننو. والله لو زرعنا كسبرة أو كبكي أو فول مصري، أخير لينا ألف مرة منه، لكن أنتم قلتوا الحكاية واجب وطني، والمشروع حق الوطن.
يلا، ارفعوا الجلسة.. الفاتحة.. ثم الفاتحة (الفاتحة التانية دي مهمة جدًا جدًا).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى