خواطر اليقظة.. البروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: أزمة الدولة السودانية ومسار النهضة: تحليل شامل لمشروع التكتل الوطني الكبير

مقدمة
تقف السودان في عام 2025 عند مفترق طرق تاريخي، حيث يواجه ما يوصف بأنه الأزمة الأكثر تدميراً منذ استقلاله عام 1956. فقد دفع النزاع الذي اندلع في أبريل 2023 دولة كانت هشة بالفعل إلى حافة الانهيار، مع مؤشرات اقتصادية تكشف عن تدهور كارثي: انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 42%، ووصول معدلات الفقر إلى 71% من السكان، وتجاوز التضخم 120%. تبحث هذه المقالة في جذور أزمة الدولة السودانية الممتدة وتقيّم مشروع “التكتل الوطني الكبير” – وهو إطار شامل لإعادة الإعمار الوطني يستلهم رمزيته من طائر العنقاء الأسطوري، الذي يرمز إلى التجدد والقدرة على النهوض من الرماد.
الحجة المركزية لهذه المقالة هي أن أزمة السودان هي في جوهرها أزمة تصميم الدولة وليست مجرد أزمة حكومة. وكما تجادل الوثائق التأسيسية لمشروع التكتل الوطني الكبير، “ورث السودان جهازاً إدارياً بعد الاستقلال، لكنه لم يرث دولة سياسية كاملة”. وقد أنتج هذا الخلل التأسيسي حلقة مفرغة من الانقسام السياسي، والضعف المؤسسي، والعسكرة، والانهيار الاقتصادي، مما حال دون قيام السودان بتأسيس المؤسسات المستقرة والشاملة اللازمة للتنمية المستدامة. وتجادل المقالة بأنه بينما يقدم مشروع التكتل الوطني الكبير إطاراً نظرياً متماسكاً لإعادة الإعمار، فإن نجاحه يعتمد على حل تحديات الحوكمة الأساسية، بما في ذلك ضعف القدرة المؤسسية للدولة، وهيمنة الاقتصادات الموازية، والأهم من ذلك – غياب التوافق السياسي اللازم للتنفيذ.
جذور أزمة الدولة السودانية
يتطلب فهم المأزق الحالي للسودان دراسة العوامل التاريخية والسياسية والمؤسسية والاقتصادية التي حالت دون قيام دولة وطنية حديثة ومستقرة. فقد خلّف الإرث الاستعماري الذي تأسس في ظل الحكم الثنائي البريطاني المصري (1899-1956) جهازاً إدارياً مركزياً خدم أهدافاً استعمارية بدلاً من التنمية الوطنية. ورغم فعالية هذا الجهاز كآلة إدارية، فإنه حدّ عمداً من المشاركة السياسية، تاركاً السودان بجهاز إداري ولكن دون دولة سياسية كاملة. وقد أوجد هذا الإرث الاستعماري ما يوصف بـ”الخلل التأسيسي” الذي استمر حتى يومنا هذا.
كان فشل النخب السياسية السودانية في الاتفاق على مشروع وطني بنفس القدر من الضرر. فمنذ الاستقلال، لم يتفق السودانيون على هويتهم، أو كيفية حكمهم، أو شكل دولتهم. وقد أنتج غياب الرؤية الوطنية الموحدة ثقافة سياسية تعرف بالمنافسة الصفرية بدلاً من بناء التوافق. وتجادل الوثائق التأسيسية بأن التجربة السودانية منذ الاستقلال أثبتت أن معالجة الأزمات بمنطق التسويات الانتقالية وإدارة ردود الفعل لم تنجح في إنتاج استقرار مستدام، لأنها حولت الانتباه إلى معالجة النتائج دون اختراق الجذور البنيوية التي أنتجت الأزمة.
كان لعسكرة السياسة تأثير ضار بشكل خاص على التطور المؤسسي للسودان. فقد أدت التدخلات العسكرية المتكررة في أعوام 1958 و1969 و1989 إلى إضعاف المؤسسات المدنية، وعسكرة الفضاء العام، وتعطيل الممارسة الديمقراطية. وأسفرت الانقلابات المتكررة عن تسييس الجيش، وإضعاف المؤسسات المدنية، وتراجع الممارسة الديمقراطية. وأصبح الجيش لاعباً رئيسياً في السياسة السودانية، مما أدى إلى إضعاف مفهوم الدولة المؤسسية.
البعد الاقتصادي لأزمة الدولة
كانت العوامل الاقتصادية محورية في أزمة الدولة السودانية. فقد أدى فقدان عائدات النفط بعد انفصال جنوب السودان في عام 2011 – والتي كانت تمثل 50% من إيرادات الحكومة و 95% من الصادرات – إلى أزمة مالية حادة. وقد تعرضت سياسات التحرير الاقتصادي المتبعة منذ عام 1993 للانتقاد لإثرائها نخبة صغيرة بينما أفقرت الأغلبية. وتجادل الوثائق بأن سياسة التحرير الاقتصادي التي اتبعت على مدى ثلاثة عقود، منذ عام 1993 حتى الآن، أدت إلى إفقار كل من الدولة والشعب السوداني، مع إثراء طبقة محدودة من الرأسماليين الجدد.
كانت هيمنة الاقتصاد غير الرسمي مشكلة مستمرة، حيث يسيطر الآن على أكثر من 90% من النشاط الاقتصادي الفعلي. ويتجلى ذلك من خلال هيمنة السوق السوداء على الصرف الأجنبي، والعملة المحتفظ بها خارج الجهاز المصرفي، وتهريب السلع الاستراتيجية على نطاق واسع، والتهرب الضريبي، والتجارة غير المشروعة بمختلف أنواعها. ويعد تهريب الذهب شديد الخطورة بشكل خاص، حيث يقدر أن 70-80% من الإنتاج السنوي يهرّب عبر مصر وتشاد وليبيا وفي النهاية إلى الإمارات العربية المتحدة. ويمثل تسرب الموارد هذا خسارة هائلة للإيرادات الحكومية المحتملة ويديم دورة ضعف الدولة.
لقد دمر النزاع الذي بدأ في أبريل 2023 ما تبقى من الاقتصاد السوداني. فقد تقلص الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 29.4% في عام 2023 وبنسبة 14% أخرى في عام 2024، وهو أحد أشد الانكماشات الاقتصادية في التاريخ الحديث. وقد توقف أكثر من 60% من المصانع عن العمل، وارتفعت البطالة إلى أكثر من 45%، وفُقد ما يقرب من 4.6 مليون وظيفة. العواقب الإنسانية مذهلة: 30.4 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية، و 26 مليون شخص يعانون من الجوع الحاد، و 14 مليون نازح. النظام الصحي في حالة خراب، مع تعطل معظم المستشفيات.
مشروع التكتل الوطني الكبير
يقدم مشروع التكتل الوطني الكبير إطاراً شاملاً لمعالجة الأزمة متعددة الأبعاد في السودان. يقوم أساسه المفاهيمي على خمس فرضيات: الدولة قبل السلطة، والتوافق قبل التنافس، والمؤسسات قبل الأفراد، والتنمية كأمن قومي، والمشروع الوطني قبل البرامج الحزبية. الحجة المركزية للوثائق هي أن أزمة السودان ليست سياسية أو اقتصادية فحسب بل وجودية: التحدي الحقيقي لم يعد حول كيفية إدارة الأزمة الحالية، بل كيف ننتقل من منطق إدارة الأزمات إلى منطق إعادة تأسيس الدولة الوطنية الحديثة.
يؤكد المشروع على التمييز الحاسم بين الدولة والحكومة، مجادلاً بأن الخلط بين الدولة والحكومة يمثل أحد الأسس النظرية والعملية لبناء أنظمة سياسية مستقرة. عندما يضطرب هذا التمييز، تصبح مؤسسات الدولة أدوات في يد السلطة الحاكمة، مما يؤدي إلى إضعاف الدولة نفسها. تتخيل الوثائق “دولة المواطن” التي تتسم بخمس ركائز: الحقوق القائمة على المواطنة، وسيادة القانون، والقدرة التنموية، والعدالة في السلطة والثروة، والشمولية في إدارة التنوع. ويؤكد المشروع أن الدولة يجب أن تكون دولة مواطن: حقوق قائمة على المواطنة وليس الانتماء؛ ودولة قانون: لا أحد فوق القانون؛ ودولة تنموية: الدولة كمحفز للنمو؛ ودولة عادلة: عدالة في السلطة والثروة؛ ودولة شاملة: إدارة التنوع وليس إزالته.
تعد خطة التعافي الاقتصادي العنصر الأكثر تفصيلاً في المشروع، حيث تقترح إنشاء مؤسسة تجارية واستثمارية سيادية تحتكر صادرات سبع سلع استراتيجية وواردات سبع سلع أساسية. تتوقع الخطة فائضاً قدره 24.5 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات من خلال هذه الآلية، لتمويل أربعة عشر مشروعاً استثمارياً كبيراً بإجمالي 24.0 مليار دولار. وتشمل الصادرات الاستراتيجية السبعة: الذهب، والثروة الحيوانية ومنتجاتها، والبذور الزيتية، والصمغ العربي، والقطن، والذرة الرفيعة، والبصل.
أما الواردات الاستراتيجية فتشمل: الوقود، والقمح، والأدوية، والمدخلات الزراعية، والمدخلات الصناعية، والسلع الغذائية، وواردات حكومية أخرى. ورغم طموحها، فإن جدوى الخطة تعتمد على قدرة الدولة على فرض احتكارات التصدير، ومكافحة التهريب، وتنفيذ إصلاحات مؤسسية معقدة – وكلها تتطلب توافقاً سياسياً وقدرة مؤسسية غير موجودة حالياً.
التحديات الحرجة ومسار المستقبل
يواجه مشروع التكتل الوطني الكبير تحديات هائلة تهدد تنفيذه. والأكثر خطورة، أن المشروع يفترض توافقاً سياسياً غير موجود حالياً. لا يزال المشهد السياسي السوداني مجزأً بعمق، حيث تسيطر جماعات مسلحة على أراضٍ، وتدعي حكومات متنافسة الشرعية، ولا توجد عملية حوار وطني موحدة قائمة. تعترف الوثائق بهذا التحدي، مشيرة إلى مقاومة النخب التقليدية، وعودة الاستقطاب، والتدخلات الخارجية كعقبات محتملة.
تشكل قيود القدرة المؤسسية تحدياً كبيراً آخر. تتطلب الخطة دولة قوية لفرض الإصلاحات، ومع ذلك انهارت الإيرادات الحكومية إلى أقل من 5% من الناتج المحلي الإجمالي، ووجود الدولة في العديد من المناطق ضئيل. هيمنة الاقتصاد غير الرسمي – التي تسيطر على أكثر من 90% من النشاط الاقتصادي – تعني أن فرض احتكارات الدولة سيتطلب مواجهة مصالح قوية تمتلك موارد ونفوذاً كبيرين. تقترح الوثائق مكافحة التهريب من خلال عقوبات صارمة، ومحاكم خاصة، وحوافز مالية لقوات الأمن، ولكن هذه الإجراءات قد لا تكون كافية ضد الشبكات الراسخة.
كما تثير جدوى توقعات الإيرادات مخاوف. يفترض النمو المتوقع من 10.5 مليار دولار إلى 25.5 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات زيادات دراماتيكية في الإنتاج والاستحواذ. وبينما تصف الوثائق هذه الأرقام بأنها تقديرات لكنها واقعية، فإنها قد تكون متفائلة بالنظر إلى الظروف الحالية. كان الإنتاج الرسمي للذهب في عام 2024 64 طناً، مقارنة بتوقع الخطة 70 طناً في السنة الأولى، و 100 طن في السنة الثانية، و 150 طناً في السنة الثالثة. كما يشكل تمويل المرحلة الأولية – الأشهر الأربعة الحرجة التي لن تتدفق خلالها عائدات التصدير بعد – عقبات كبيرة.
لا تعالج الخطة بشكل عميق التحديات الجيوسياسية الإقليمية. فالسودان يشترك في الحدود مع سبع دول، ويستضيف جماعات مسلحة متعددة ذات صلات دولية، ويواجه علاقات معقدة مع دول الخليج، ومصر، وإثيوبيا. كما أن اقتراح الخطة بالشراكة مع شركة تجارية دولية ذات سمعة طيبة قد يواجه تعقيدات نظراً لعزلة السودان الدولية وتاريخ العقوبات.
الخاتمة
يستلهم مشروع التكتل الوطني الكبير رمزيته من طائر العنقاء – الطائر الأسطوري الذي ينهض من رماده. يجسد هذا الاستعارة كلاً من الأمل والتحدي في إعادة الإعمار السوداني. يقدم المشروع رؤية شاملة لإعادة بناء الدولة السودانية، لكن الطريق من الرماد إلى النهضة يتطلب إرادة سياسية، وقدرة مؤسسية، وتوافقاً وطنياً لا تزال بعيدة المنال.
وكما تدون الوثائق: السودان لا يحتاج إلى حلول سياسية مؤقتة، بل إلى مشروع تأسيسي جديد. يوفر مشروع التكتل الوطني الكبير الأساس لذلك المشروع – وما إذا كان يمكن تحقيقه يعتمد على الإرادة السياسية للسودان وقدرته على تجاوز تجزئته الحالية.
جوهر الأزمة السودانية لم يكن يوماً مجرد أزمة سلطة، بل كان – في عمقها – أزمة دولة، ومشروع وطني، ومعادلة حوكمة. لذلك، فإن المخرج الحقيقي من دورة الركود التاريخي لا يتحقق بتغيير الحكومات أو استبدال النخب وحدها، بل بإعادة بناء الأساس الذي تقوم عليه الدولة نفسها: فكرياً، ومؤسسياً، وسياسياً، وتنموياً.
شعار المشروع – “بالتوافق نبني، وبالمؤسسات نستقر، وبالتنمية ننهض” – يجسد كلاً من رؤيته وتحديه. الترتيب مهم: يجب أن يسبق التوافق بناء المؤسسات، الذي يجب أن يسبق التنمية. ومع ذلك، يظل التوافق العنصر الأكثر صعوبة في تاريخ السودان الطويل والمأساوي.
يبقى السؤال المركزي: هل تستطيع النخب السياسية السودانية والجماعات المسلحة وضع خلافاتها جانباً لبناء التوافق الوطني الذي يتطلبه المشروع؟ سيكون الجواب على هذا السؤال هو الذي يحدد ما إذا كان السودان سيبقى محاصراً في دورة أزمته أم سيحقق أخيراً النهضة التي يستحقها شعبه. إن الطريق من الرماد إلى النهضة طويل وشاق، لكن الأمل يظل قائماً في قدرة السودان على النهوض من جديد، كما تنهض العنقاء من رماده، ليبني مستقبلاً يليق بتاريخه العريق وشعبه الصامد.

