خواطر اليقظة.. بروفيسور عصام عبد الوهاب بوب يكتب: عدم قانونية الإبادة الجماعية وأزمة الإنفاذ في السودان وغزة

إن الإبادة الجماعية غير قانونية بشكل قاطع بموجب القانون الدولي. فهي محظورة بموجب اتفاقية عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وتُعتبر قاعدة (jus cogens) لا يجوز لأي دولة الخروج عليها، وتُصنف ضمن أخطر الجرائم الدولية إلى جانب الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب. ورغم هذا الحظر القانوني الواضح، فقد شهد العام الماضي تصعيدًا مأساويًا في أعمال العنف الجماعي في كل من السودان وغزة، مما أثار تساؤلات جادة ليس حول محتوى القانون، بل حول قدرة المجتمع الدولي واستعداده لإنفاذه.
الإطار القانوني لا لبس فيه. اتفاقية منع الإبادة الجماعية، التي صدقت عليها 153 دولة، تعرّف الإبادة الجماعية بأنها أفعال محددة – كالقتل، أو إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم، أو فرض ظروف معيشية متعمدة تهدف إلى تدمير الجماعة، أو فرض تدابير تهدف إلى منع الإنجاب، أو نقل الأطفال قسرًا – مع توفر “النية المحددة لتدمير مجموعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليًا أو جزئيًا”. هذا التعريف مُدرَج في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، مما يلزم الدول الأطراف بملاحقة الجناة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية مرارًا أن حظر الإبادة الجماعية هو قاعدة مطلقة، تلزم جميع الدول بغض النظر عن التصديق. وبالتالي، فالسؤال ليس حول ما إذا كانت الإبادة الجماعية قانونية – فهي ليست كذلك – بل حول ما إذا كانت الآليات المصممة لمنعها والمعاقبة عليها يمكن أن تعمل بفعالية عندما تكون دول قوية أو جماعات مسلحة متورطة.
في السودان، شهد العام الماضي ما وصفته منظمة طبية سودانية بـ”الإبادة الجماعية الكاملة” التي ارتكبتها قوات الدعم السريع شبه العسكرية. بعد سيطرتها على الفاشر في شمال دارفور في أكتوبر 2025، قامت قوات الدعم السريع بعمليات قتل منهجية استهدفت مجموعات إثنية معينة. فرّ المدنيون بينما كانوا “مطاردين… يُهاجمون لمجرد أنهم سود”، وهو نمط يذكر بميليشيات الجنجويد التي اتُهمت بارتكاب إبادة جماعية في دارفور قبل عقدين من الزمن. أعلنت الولايات المتحدة رسميًا أن عناصر الدعم السريع “ارتكبوا إبادة جماعية”، وفرضت عقوبات على قادتهم. في خطوة قانونية غير مسبوقة، رفعت السودان دعوى ضد الإمارات العربية المتحدة أمام محكمة العدل الدولية بتهمة التواطؤ في الإبادة الجماعية من خلال تزويد الدعم السريع بالأسلحة. لكن في مايو 2025، رفضت المحكمة القضية بسبب ثغرة قانونية، محكمةً بأنها “تفتقر بشكل واضح إلى الاختصاص” لأن الإمارات كانت قد تحفظت تحفظًا صحيحًا على المادة ذات الصلة من الاتفاقية. كشف هذا القرار عن ثغرة خطيرة: يمكن للدول أن تحمي نفسها من دعاوى الإبادة الجماعية من خلال صياغة تحفظات دقيقة على المعاهدات.
في غضون ذلك، في غزة، أدى تصعيد الأعمال العدائية إلى إجراءات قانونية غير مسبوقة. في أكتوبر 2025، أصدرت محكمة العدل الدولية رأيًا استشاريًا تاريخيًا خلص إلى أن سياسات إسرائيل – وتحديدًا الحصار الشامل، والتقييد الصارم للمساعدات الإنسانية، وتسييس الجوع كسلاح – تنتهك اتفاقية منع الإبادة الجماعية. وقضت المحكمة بأن سلوك إسرائيل يشكل “حرمانًا منهجيًا من ضروريات الحياة الأساسية”، مما يخلق ظروفًا معيشية تهدف إلى تدمير السكان الفلسطينيين كمجموعة محمية. كما صرحت اللجنة الدولية للقضاة بوجود “أدلة قوية” على الإبادة الجماعية. بالتزامن، رفضت دائرة الاستئناف في المحكمة الجنائية الدولية الطعن الإسرائيلي في اختصاص المحكمة، مما سمح لمجري التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بالمضي قدمًا. كما أصدرت المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت بتهم تشمل استخدام التجويع كسلاح حرب.
تكشف هذه القضايا عن مفارقة مأساوية: بينما الإبادة الجماعية مُدانة عالميًا باعتبارها غير قانونية، يبقى النظام القانوني الدولي ضعيفًا هيكليًا في منعها أو المعاقبة عليها. يمكن لمحكمة العدل الدولية أن تصدر أحكامًا، لكن ليس لديها قوة شرطة لتنفيذها. تعتمد المحكمة الجنائية الدولية على تعاون الدول لاعتقال المتهمين، وهو ما تمتنع عنه القوى الكبرى غالبًا. في السودان، أحبطت ثغرة قانونية المساءلة؛ وفي غزة، تشل الخلافات السياسية مجلس الأمن. الحظر المفروض على الإبادة الجماعية هو حظر مطلق من الناحية النظرية، لكنه من الناحية العملية يعتمد تنفيذه على إرادة سياسية غالبًا ما تكون غائبة.
في الختام، الإبادة الجماعية ليست قانونية دوليًا – بل هي قاعدة آمرة وجريمة معاهدة. لكن الفظائع المتصاعدة في السودان وغزة خلال العام الماضي تُظهر فجوة كارثية في الإنفاذ. القانون واضح، لكن استجابة العالم تبقى انتقائية، وغير متسقة، وعاجزة في كثير من الأحيان. إلى أن يعزز المجتمع الدولي آليات الإنفاذ – بسد الثغرات المعاهداتية، وتمكين المحاكم، والتغلب على الجمود الجيوسياسي – فإن عدم قانونية الإبادة الجماعية سيظل درعًا ورقيًا ضد أسوأ ما يمكن أن يرتكبه البشر.

