مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: حين يُهمَّش أهلُ القرآن… تختلُّ أولوياتُ الدولة

ليست قيمة الدول بما تشيده من مبانٍ شاهقة، ولا بما تمتلكه من موارد وإمكانات، وإنما بما تمنحه من تقدير لأصحاب الرسالات السامية. وفي مقدمة هؤلاء يأتي أئمة المساجد والمؤذنون؛ أولئك الذين يحملون مشاعل الهداية، ويحرسون ضمير المجتمع، ويقفون على ثغور الدين في زمن تتقاذفه الفتن والأزمات.

من المؤسف أن تبقى هذه الشريحة الكريمة، التي تمثل أحد أعمدة الاستقرار الأخلاقي والاجتماعي، في آخر سلم الاهتمام، بينما تتقدمها ملفات أقل أثراً في بناء الإنسان وصناعة الوعي.

الإمام لا يعتلي المنبر بحثاً عن منصب، والمؤذن لا يرفع الأذان طلباً لثروة، وإنما يؤديان رسالة عظيمة اختاراها ابتغاء مرضاة الله، وظلا يؤديانها بإخلاص وصبر وتجرد.

غير أن الرسالة السامية لا تعني أن يعيش أصحابها تحت وطأة الحاجة، ولا أن يتحول الزهد إلى مبرر لإهمال حقوقهم المشروعة.

الواقع المؤلم أن المرتبات التي يتقاضاها الأئمة والمؤذنون لا تزال أقل بكثير من متطلبات الحياة، بل إن بعضها لا يغطي حتى تكلفة انتقال الإمام أو المؤذن من منزله إلى المسجد الذي يخدم فيه.

في ولاية البحر الأحمر وحدها يبلغ عدد الأئمة والمؤذنين نحو ثلاثة آلاف، ينتشرون في مختلف المحليات، يؤدون رسالتهم بصمت، ويواجهون الظروف الاقتصادية نفسها التي يعانيها عامة المواطنين.
هذه الشريحة لا تعرف الإضرابات، ولا تغلق الطرق، ولا تحاصر المكاتب الحكومية، ولا ترفع سقف المطالب، ولذلك ربما دفعت ثمن أدبها وحيائها وصبرها.

لكن صمت أصحاب الحقوق لا يمنح أحداً حق التغافل عن حقوقهم، بل يضاعف مسؤولية الدولة تجاههم.

ومن الإنصاف أن يُقال إن والي ولاية البحر الأحمر الفريق الركن مصطفى محمد نور محمود يُحسب له اهتمامه بهذا الملف، فقد شهد عهده زيادة مرتبات الأئمة والمؤذنين من خمسة عشر ألف جنيه، إلى خمسين ألف جنيه، ثم إلى مائة ألف جنيه خلال العام الحالي.

كما ظل يتابع بصورة مباشرة انتظام صرف المرتبات شهرياً، ويتأكد من وصولها إلى الحسابات البنكية للمستحقين في جميع محليات الولاية، وهو جهد يستحق التقدير.

غير أن هذا الجهد، على أهميته، لا يعفي بقية مؤسسات الدولة من مسؤولياتها، فالعناية بأهل القرآن ليست مسؤولية والٍ بمفرده، وإنما مسؤولية دولة بكل مؤسساتها.

ومن المؤسف أن بعض القيادات لا تتذكر أئمة المساجد والمؤذنين إلا في المناسبات الدينية، بينما يغيب الاهتمام الحقيقي عندما يتعلق الأمر بتحسين أوضاعهم المعيشية.

وإذا كانت الدولة تطالب الإمام بأن يحافظ على قيم المجتمع، ويعزز روح التماسك، ويواجه خطابات الغلو والانحراف، فمن حق الإمام على الدولة أن تضمن له حياة كريمة تعينه على أداء رسالته.

إن احترام أهل القرآن لا يكون بالخطب الرنانة، وإنما بالقرارات التي تصون كرامتهم، وتوفر لهم حياة تليق بمكانتهم.

فالأمم التي تُكرم حفظة كتاب الله وأئمة المساجد إنما تُكرم نفسها قبل أن تُكرمهم، لأنها تعلي من قيمة العلم والدين والأخلاق.

أما حين يبقى أهل القرآن في دائرة التهميش، فإن الخلل لا يكون فيهم، وإنما في ترتيب أولويات الدولة نفسها.

إن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده، وإنما في الإنسان الذي يصنع القيم، ويزرع الطمأنينة، ويحفظ هوية المجتمع من التآكل.
وستظل منابر المساجد منارات للهداية، وسيظل الأئمة والمؤذنون يؤدون رسالتهم بإخلاص، سواء أنصفتهم الدنيا أم قصرت في حقهم.
غير أن الدول الحكيمة لا تنتظر شكوى أهل القرآن حتى تنصفهم، ولا تجعل صبرهم ذريعة لتأخير حقوقهم، لأن تكريمهم ليس تفضلاً من أحد، بل واجب أخلاقي وديني ووطني.

وحين يُكرَّم أهلُ القرآن، تستقيم بوصلة الأولويات، وتكتسب الدولة احترام شعبها قبل أن تنال احترام الآخرين؛ أما حين يُهمَّشون، فإن الخلل لا يكون في المنابر، بل في الضمير الذي يدير شؤون الدولة ويرسم أولوياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى