مقالات

دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الملف الاقتصادي (1)

ما تداولته الوسائط بشأن دعوة القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وزير المالية ووزير التجارة إلى إلغاء حظر استيراد السلع الأساسية، بدا في ظاهره بارقة أمل لتخفيف أعباء المعيشة وتوفير احتياجات الأسواق.

غير أن السماح بفتح الاستيراد قد يأتي بنتائج عكسية؛ إذ سيزيد الطلب على العملات الحرة في بلد يعاني شح النقد الأجنبي وتراجع الموارد، وسط اقتصاد عالمي تثقله حروب الطاقة والغذاء وارتفاع تكاليف التمويل والنقل. وبصرف النظر عن مؤسسية القرار، فإنه يكشف واقعاً تبدو فيه مؤسسات الدولة كجزر معزولة، لا تنتظم قراراتها رؤية موحدة تفرضها ظروف الحرب.

فالدول التي تعيش حرباً مفتوحة لا تُدار بردود الأفعال، ولا بقرارات منفصلة عن تداعياتها على بقية القطاعات. قد يخفف السماح بالاستيراد نقص السلع مؤقتاً، لكنه من المؤكد سيضغط على سعر الصرف، ويرفع تكلفة الواردات، ويضعف تنافسية المنتج المحلي، ما لم يندرج ضمن سياسة توازن بين احتياجات ظرف الحرب والموارد المتاحة وأولويات الإنتاج. والأخطر أن تتعارض قرارات المؤسسات، فتفتح جهة باباً بينما تغلقه أخرى، دون تنسيق أو تقييم للنتائج. وهذا يثير تساؤلات حول كفاءة المشورة الاقتصادية المقدمة للقيادة، وقدرة الدولة على استباق الأزمات بدلاً من ملاحقتها. فالحرب تجعل التخطيط والتنسيق والمساءلة أكثر إلحاحاً، لا أقل ضرورة.

إن صون كيان الدولة وحماية معاش المواطنين مسؤولية مشتركة بين المجتمع وقطاعاته المنتجة واتحاداته المهنية ومنظماته المدنية. ولا يتحقق ذلك بحظر الاستيراد أو إباحته منفرداً، بل بخطة متكاملة توحد السياسات المالية والتجارية والإنتاجية والاجتماعية، وتحدد الأولويات والموارد والمسؤوليات، وتضمن المشاركة في التنفيذ والرقابة. فأزمتنا ليست أزمة سلع فحسب، بل أزمة إدارة موارد وتنسيق مؤسسات ورؤية وطنية. فكيف ننتقل من قرارات متفرقة قد تعالج عرضاً وتفاقم آخر، إلى سياسة تحمي المواطن والدولة وتقوي الإنتاج وتحد من استنزاف العملات الحرة؟ ذلك ما نتناوله في الجزء الثاني، عبر مقترحات عملية لتوحيد الجهد الوطني والخروج من عنق الزجاجة نحو الاستقرار والتعافي، ونواصل.

الخرطوم 22 أكتوبر 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى