مقالات

دولة القانون.. د.عبد العظيم حسن المحامي يكتب: الأمن أولاً (1)

في أزمنة السلم يتطلع الإنسان إلى التقدم والإنجاز وتحقيق الذات، أما في أزمنة الحروب فإن سُلم الأولويات ينقلب رأساً على عقب. ولهذا يذهب كثير من الباحثين إلى أن هرم أبراهام ماسلو يفقد ترتيبه التقليدي تحت وطأة النزاعات، فيتصدر الأمن جميع الاحتياجات الإنسانية، لأن الإنسان لا يستطيع أن يبني مستقبله أو يمارس حريته أو يحقق ذاته وهو يخشى على حياته وأسرته وماله. فالأمن ليس مجرد خدمة عامة، بل هو الشرط الأول الذي تقوم عليه سائر الحقوق.

ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو أن تتحول مؤسساتها الأمنية والعسكرية من أدوات لحماية المجتمع إلى وسائل لابتزازه. فعندما يصبح الأمن رهينة لبقاء السلطة، تتحول الدولة إلى طرف في معادلة قوامها: إما الاستبداد وإما الفوضى. وهذا هو النهج الذي انتهجه نظام المخلوع عمر البشير، إذ جعل من كرسي الحكم مظلة يختبئ خلفها مروّجاً لفكرة أن سقوطه يعني انهيار الدولة، بينما كان يضعف مؤسساتها تاركاً السودانيين أسرى لمعادلة “أخف الضررين”.

لقد أثبتت حرب الخامس عشر من أبريل أنها حرب عدوان استهدفت الإنسان السوداني قبل أن تستهدف الدولة، وطمعاً في ثرواته قبل أن تكون صراعاً على السلطة. لذلك فإن نهايتها العادلة لا تُقاس بتقاسم النفوذ بين حملة السلاح، سواء أكانوا من القوات النظامية أو من المليشيات التي أفرزتها الحرب، وإنما بإعادة الحق إلى أصحابه، وبناء دولة يكون فيها الأمن حقاً مكفولاً لكل مواطن لا امتيازاً تمنحه السلطة، ولا سلعةً تُباع وتُشترى في أسواق السياسة. فدولة القانون لا تقوم على توازن البنادق، وإنما على احتكار الدولة المشروع للقوة، وخضوعها الكامل لسيادة حكم القانون، حتى يبقى الأمن حقاً للمواطن لا أداةً للحاكم.
الخرطوم 4 يوليو 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى