مقالات

ظل الرقراق.. خليل فتحي خليل يكتب: الشك.. حين يصبح الحذر بوابة النجاة

يُنظر إلى الشك، في كثير من الأحيان، بوصفه صفةً سلبية، بينما يغفل كثيرون عن وجهه الآخر؛ الوجه الذي يصنع السلامة، ويحفظ الأرواح، ويمنح الإنسان القدرة على اتخاذ القرار السليم. فالشك المعتدل ليس ضعفًا، ولا سوء ظن، بل هو إحدى الغرائز التي أودعها الله في الإنسان ليحمي بها نفسه من المخاطر والمفاجآت.

الشك هو أول خطوات السلامة، وهو الرفيق الدائم للحذر. فعندما يشك الإنسان في أمرٍ ما، فإنه يتوقف قليلًا، ويفكر أكثر، ويبحث عن الحقيقة قبل أن يُقدم على خطوة قد يندم عليها. ولو اختفى هذا النوع من الشك من حياتنا، لتحولت القرارات إلى اندفاع، ولأصبحت الأخطاء أكثر من الصواب.

الإنسان بطبيعته كائن يشك. فالطفل الصغير يتردد قبل أن يلمس النار، والمسافر يراجع طريقه أكثر من مرة، والطبيب لا يكتفي بعرضٍ واحد قبل التشخيص، والقاضي لا يصدر حكمًا إلا بعد التحقق من الأدلة. وكل ذلك شك إيجابي يقود إلى اليقين، وليس إلى الوهم.

وفي الحياة اليومية، نجد أن الشك المعتدل هو الذي يجعل السائق يتأكد من صلاحية مركبته قبل السفر، ويجعل الأب يطمئن على أبنائه، ويجعل الموظف يراجع أوراقه قبل التوقيع، ويجعل الطالب يعيد قراءة إجاباته قبل تسليم ورقة الامتحان. إنه شك يحمي الإنسان من الوقوع في الخطأ، ويقلل من احتمالات الفشل.

لكن للشك وجهًا آخر، وهو الشك المرضي الذي يتحول إلى وسواس يفسد الحياة ويهدم العلاقات. فالفرق كبير بين الشك الذي يدفع إلى التثبت، والشك الذي يدفع إلى الاتهام بلا دليل. الأول يبني، والثاني يهدم؛ الأول يحقق الأمان، والثاني يزرع الخوف والقلق وفقدان الثقة.
وفي العلاقات الإنسانية، لا يمكن أن تستقيم الحياة إذا أصبح الشك سيد المواقف. فالزوج الذي يشك في زوجته دون دليل، والصديق الذي يسيء الظن بصديقه، والموظف الذي يتهم زملاءه بلا بينة، جميعهم يفتحون أبوابًا للخلافات لا تنتهي. لذلك جاء الدين الإسلامي داعيًا إلى حسن الظن، ومحذرًا من الظنون التي لا تقوم على دليل، مع التأكيد على أهمية التثبت قبل إصدار الأحكام.

وفي ميادين الأمن والسلامة، يُعد الشك أساسًا للعمل الاحترافي. فالأجهزة الأمنية تتعامل مع كل معلومة بحذر حتى تتأكد من صحتها، والأطباء يطلبون الفحوصات للتأكد من التشخيص، والمهندسون يراجعون الحسابات مراتٍ عديدة قبل تنفيذ المشروعات. فكم من كارثة جرى تجنبها لأن شخصًا شك في أمر غير طبيعي، فبحث فيه حتى اكتشف الخطر قبل وقوعه.

وفي عالم الإعلام والصحافة، يصبح الشك فضيلةً مهنية. فالصحفي الحقيقي لا ينشر كل ما يسمع، بل يشك في الخبر حتى يتحقق من مصادره، ويوازن بين الروايات المختلفة، ثم يقدم الحقيقة للرأي العام. ولذلك كانت المصداقية ثمرةً من ثمار الشك الإيجابي، لا ثمرةً للتسرع.
أما في حياة الأمم، فإن التقدم العلمي نفسه بدأ بالشك. فكل اكتشاف عظيم جاء لأن عالمًا لم يقتنع بما هو سائد، فطرح الأسئلة، وأجرى التجارب، حتى وصل إلى الحقيقة. ولولا الشك العلمي المنضبط لما تطورت العلوم، ولا تقدمت الحضارات.

إن الشك المعتدل يمنح الإنسان يقظةً دائمة، لكنه لا يسلبه راحة البال. فهو يدعوه إلى التفكير، لا إلى الخوف، وإلى التحقق، لا إلى الاتهام، وإلى البحث عن الحقيقة، لا إلى صناعة الأوهام.

إن أجمل ما في الشك أنه لا يقف عند حد التساؤل، بل يقود إلى المعرفة. فالسؤال بداية الطريق، والتحقق هو الجسر، واليقين هو النهاية. ولهذا فإن المجتمعات الواعية لا تربي أبناءها على التصديق الأعمى، وإنما تعلمهم التفكير، والتحليل، وطرح الأسئلة، ثم الوصول إلى الحقيقة بالدليل.

أخيرًا، وليس آخرًا، يبقى الشك المعتدل نعمةً إذا ظل في حدوده الطبيعية؛ لأنه يحرس الإنسان من الأخطار، ويمنعه من الوقوع في التسرع، ويجعله أكثر وعيًا ونضجًا. أما إذا تجاوز حدوده وتحول إلى وسواس أو اتهام دائم للآخرين، فإنه يصبح عبئًا على صاحبه قبل أن يكون عبئًا على من حوله.

فلنجعل الشك طريقًا إلى اليقين، والحذر سبيلًا إلى السلامة، ولنتذكر دائمًا أن كثيرًا من النجاة يبدأ بسؤال صغير، وكثيرًا من الكوارث يبدأ بثقة عمياء. فالشك الواعي ليس عيبًا، بل هو إحدى علامات العقل الذي يفكر قبل أن يقرر، ويتحقق قبل أن يحكم، ويبحث عن الحقيقة قبل أن يصدق كل ما يراه أو يسمعه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى