في الحقيقة.. ياسر زين العابدين المحامي يكتب: عجائب في بحر أبيض (1 من 3)

هجع الأنام، فقد أرخى الليل سدوله، ونام معظمهم، والبعض أيقظه السهاد، وأنا منهم.
أصوات تتناهى إلى المسامع فتشق الصمت، والليل القاتل حيث المجهول، وتلك الفكرة المولودة في الهجيع بلا صوت ولا نشيج.
المرء يموت ألف مرة ليصحو من الموت، والأمنيات وطنٌ سالم لا يهزه الموت الزؤام، ولا تسقطه الشعارات الزائفة البغيضة.
وطن لا يُباع بأرصفة المدائن المصنوعة والعمارات السوامق الباهتة الباردة.
فما يجري في كردفان يقطع نياط القلب. قلناها: (صحي الموت سلام ما يغشاك شر)، وغنينا لينتفض الوطن من ركام الزيف، ومن بين أكوام الرماد كما طائر الفينيق، وليفرد جناحيه، وليهوي بأشكال الانبطاح والاستغلال والارتجاف والارتزاق.
لا يقبل الهوانات والخائبين، ويرفض الهتيفة وبعض المخنقة والمتردية.
ليضع موطئ قدمه حيث الثريا، بل أبعد، ولا عزاء لأصحاب الحلاقيم المشروخة.
لا مكان للحالمين ثم الواهمين وذوي الأفكار المصنوعة المعززة بالحوافظ.
في غمرة الهياج وبعض الحقد الدفين، قال: سيذهب والي بحر أبيض قريباً جداً.
فقلت: تقديرات القيادة لا يصنعها حالم.
القراءة هذه لا معقب عليها في ظل ظروف بالغة التعقيد، فقلناها: كذب المنجمون.
القاعدة لا تتغير معطياتها ولا تتبدل أي من قواعدها الثابتة، فهو ناموس مكتوب.
قلت: بحر أبيض ولاية بالغة التعقيد، في قمة التناقضات والتقاطعات والصراعات، صعبة المراس، وترويضها مؤلم، وأقبِيتها رطبة تُرسم فيها المؤامرات دائماً.
ينقسم الساسة إلى أشتات، والمجموعات إلى أكوام، يصعب فرزها لتقلباتها الغريبة.
كباتنها يعرفون أين تؤكل الكتف، ويتماهَون بذكاء ودهاء عندما تهب رياح الاغتنام.
لوحتها سريالية، صعبة القراءة والدلالات.
السياسة فيها ليست كياسة، والوجع فيها راقد، من ذم الشفاه إلى الذم الآخر.
المؤامرة هناك تصحو من سباتها، يصنعها الأقرب إليك، فتؤتى من قبله فيصفعك.
الضرب تحت الحزام ستراه عياناً بياناً، ولن يفد إليك من يقدم العون، فتبقى وحيداً.
اللعب على الأوراق، والمشي على الحبال، والصعود في الجبال الوعرة كذلك.
والرقص بالبكيني والبوكسر، وكل ما لا تتخيله من خيال، ستراه يقظةً، يا للكارثة!
سترى الظلام، ويبدو النور، وتطلع الشمس، ويبزغ القمر، ويعم الليل البهيم، وتموت الدهشة، وتتساقط الأوراق اليابسة.
تسقط الأقنعة، ويبدو بروتس بخنجر مسموم، يغمد نصله الحاد في غفلة تامة.
بحر أبيض خبرناها بمزالقها وخباياها، ومؤامراتها وكيدها اللئيم والقطيم.
قال لي: أفصح يا أخي.
قلت: أليس من العبث انتقاد الوالي من جهات تقود حملة مخدومة؟ لقد بدأوا بشحذ شفير خناجرهم لتهوي عليه.
لأول مرة تبدو التنمية واقعاً يمشي على قدمين، تظهر في الحضر والبادية.
ولأول مرة تتوازن التنمية في أنحاء الولاية، فلا تتقدم جهة على أخرى.
ولأول مرة تبدو الشفافية في أبهى تجلياتها، وما يُصنع من فارقٍ ليس بالبعيد.
أعداء النجاح حملوا المعاول ضد الوالي، ويضمرون الغل والكيد والحسد.
هم ليسوا بأقل سوءاً من المليشيا، فكلاهما يضمر ضغائن لوطن لن يسقط أبداً.
(الله غالب)
(نواصل)