كر البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: كشف الغطاء

إن حقيقة الحياة الدنيا يعيشها المرء مستمتعًا بنعيمها، منبهرًا بزينتها، مستنشقًا لعبيرها، مستمسكًا بتلابيبها، لا يريد أن يفارقها، ويستبعد أوان ذهابها.
يا للهول!
ما هذا الضيف الذي حل فجأة، وجلس بين يديك وهو ينظر إليك؟
ولماذا كل هذا الخوف منه، وهو الزائر المنتظر الذي يزور كل البشر؟
يا للهول!
إنه ملك الموت.
ولكن لماذا حضر الآن؟
هل قد حان الأوان؟
ولكنني لم أُلملم أطرافي بعد، ولم أستعد للذهاب، فما زال في خاطري الكثير، فلمَ الرحيل؟
يا ملك الموت، تمهل.
أنا عبد ضعيف قد أهمل، قف ولا تستعجل.
هل سأفارق أهلي ومالي وسلطاني وعُمّالي وأعمالي وأحلامي وآمالي بالمجمل؟
من فضلك، قليلًا تمهل، فسوف أتوب وأستغفر، وسوف أستعد وأتجمل.
أما الآن فلن أتحمل.
فليس لي حسنات تُتحصل، ولا رصيد في الدفتر.
لماذا هذا العجز المطبق؟
فماذا يحصل؟
لماذا الروح تتحرك من أسفل، وكادت أن تصل الحلقوم، وما بعده أسهل؟
يا ملك الموت، تمهل.
الجسد الفاني سيتحلل.
لماذا تنظر إليّ ولا تسأل؟
اسألني، فأنا أتململ، فماذا يحصل؟
فهل من ذنب قد جنيته، وقد كنت مسيطرًا؟
هل من خالق غير الله قد دعوته وأنا مستبشر؟
أين أنا الآن؟
أم صرت كمهمل قد حُذف اسمه من كل دفتر؟
يا ملك الموت، تمهل.
كل أيامي تتراءى الآن أمامي، وكل شيء قد فُصل.
هل حدث كل هذا أم كنت أجهل؟
فقط تمهل، أخرجها بسهولة كماء الجدول، لا تدعها تتفرق في جسدي، فهي تخشى من الحساب المؤجل، وطالما سرحت واستراحت ورتعت ونامت في المخمل.
بدأت سكرة الموت تتبختر،
وانكشف الغطاء، وبصرك اليوم حديد، وبدأ طور جديد، وذاب جبل الجليد، وأنت الآن وحيد.
لا أهل، ولا بيت، ولا مال، ولا سلطان يفيد.
لماذا لا تتمهل؟