مقالات

محمد عثمان الرضي يكتب: الجنرال البرهان… تفويض الواقع أقوى من حملات التفويض

في خضم التطورات التي يشهدها السودان، برزت خلال الأيام الماضية حملة تدعو إلى تفويض رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، رئيساً لجمهورية السودان.

وبغض النظر عن النوايا التي تقف وراء هذه الدعوة، فإنها تثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدواها، وما إذا كانت تضيف جديداً إلى المشهد السياسي أم أنها مجرد مبادرة رمزية لا تغير من الواقع شيئاً.

من وجهة نظري، فإن هذه الحملة لا تستند إلى مبررات عملية، لأن الواقع السياسي القائم يجعلها أقرب إلى تحصيل الحاصل منها إلى صناعة واقع جديد.

فالجنرال البرهان يتولى بالفعل قيادة الدولة، ويقود في الوقت ذاته المؤسسة العسكرية التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن السودان ووحدة أراضيه في واحدة من أكثر المراحل تعقيداً في تاريخ البلاد.

لذلك فإن الحديث عن تفويض جديد يبدو، في تقديري، أمراً لا يضيف إلى مسؤولياته القائمة، ولا يمنحه صلاحيات تتجاوز ما يمارسه بالفعل.
فالشرعية الحقيقية لأي قائد لا تُقاس بكثرة الحملات المؤيدة له، وإنما بما ينجزه على أرض الواقع، وبقدرته على إدارة المسؤوليات الملقاة على عاتقه.

ومن يقود جيشاً يخوض معركة مصيرية دفاعاً عن الوطن، لا يحتاج إلى حملات تمنحه قيمة إضافية، لأن طبيعة المهمة التي يؤديها هي في حد ذاتها أكبر مسؤولية يمكن أن يتحملها أي قائد.

كما أن القوات المسلحة السودانية، بما تمثله من مؤسسة وطنية راسخة، تظل إحدى أهم ركائز الدولة، ويستمد قادتها مسؤولياتهم من الأطر التي تنظم عملها.

ولذلك فإن الأولوية ينبغي أن تبقى منصبة على دعم المؤسسة العسكرية وهي تؤدي واجبها الوطني، لا على الانشغال بحملات قد لا يكون لها أثر عملي.

السودان اليوم يواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة، وهي تحديات تتطلب تركيزاً كاملاً على ما يخدم المصلحة الوطنية.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح وحدة الصف أكثر أهمية من أي شعارات أو مبادرات قد تفتح أبواباً جديدة للجدل.

إن الانتصارات لا تصنعها البيانات، وإنما تصنعها الإرادة والعمل والانضباط وحسن إدارة الأولويات.

ومن الحكمة ألا تُشغل القيادة بمعارك جانبية، بينما لا تزال هناك ملفات أكثر إلحاحاً تنتظر الحسم.

فالمعركة الأساسية، في نظر كثير من السودانيين، هي استكمال استعادة الأمن والاستقرار في جميع أنحاء البلاد.

وكل جهد يصرف الأنظار عن هذه الأولوية يستحق أن يُنظر إليه بعين التقييم والمراجعة.

لقد عبّر قطاع واسع من السودانيين خلال الفترة الماضية عن دعمه للقوات المسلحة بوسائل مختلفة.

وتجسد ذلك في المواقف الشعبية التي ساندت المؤسسة العسكرية خلال الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.

كما أن شعار “جيش واحد… شعب واحد” ظل بالنسبة لكثيرين تعبيراً عن حالة الالتفاف الشعبي حول القوات المسلحة.

ويرى كثيرون أن هذا الالتفاف الشعبي يمثل رسالة دعم واضحة للمؤسسة العسكرية دون الحاجة إلى حملات إضافية.

فالتأييد الحقيقي يظهر في المواقف العملية، وفي الإسهام في تعزيز الاستقرار والمحافظة على وحدة البلاد.

أما الحملات الإعلامية، فإن قيمتها تقاس بمدى خدمتها للأهداف الوطنية، لا بمجرد حجم انتشارها.

والسودان اليوم بحاجة إلى توحيد الطاقات الوطنية، أكثر من حاجته إلى مبادرات قد ينقسم الناس حول تقييمها.

كما أن المرحلة تفرض خطاباً يعزز التماسك الوطني، ويبتعد عن كل ما قد يشتت الاهتمام عن القضايا الأساسية.

ومن الأولى أن تتجه الجهود الشعبية إلى دعم الاستقرار، وإسناد مؤسسات الدولة حتى تتمكن من أداء واجباتها.

أما القضايا المتعلقة بمستقبل الحكم وترتيبات المرحلة المقبلة، فلها مساراتها السياسية والدستورية التي ينبغي أن تُدار عبر المؤسسات المختصة.

فالدول لا تُبنى بحملات التفويض، وإنما تُبنى بقوة مؤسساتها، واحترام القانون، وتحقيق الأمن والاستقرار.

ويبقى الإنجاز العملي هو المعيار الذي يحتكم إليه التاريخ عند تقييم القادة، وليس كثرة الشعارات أو المبادرات.

لذلك، فإن تركيز القيادة على أداء واجباتها الوطنية يظل، في هذه المرحلة، أكثر أهمية من الانشغال بحملات التأييد.

وسيظل السودان في حاجة إلى كل جهد صادق يسهم في إنهاء معاناة المواطنين، واستعادة الأمن، وتهيئة الطريق نحو مستقبل أكثر استقراراً.
وفي نهاية المطاف، فإن تفويض الواقع، الذي تصنعه المسؤولية والإنجاز والالتفاف الوطني حول مؤسسات الدولة، يظل في نظر كثيرين أقوى أثراً وأبقى من أي حملة تفويض عابرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى