محمد عثمان الرضي يكتب: السفير الذي تجاوز البروتوكول

انتهت فترة عمل سفير المملكة العربية السعودية بالسودان علي بن حسن بن جعفر، وهو يستعد لمغادرة البلاد بعد سنوات حافلة بالحراك السياسي والدبلوماسي والاجتماعي الواسع.
السفير السعودي المنتهية فترة عمله لم يكن سفيراً عادياً يؤدي مهامه من داخل المكاتب المغلقة وقاعات الاستقبال الرسمية، بل كان حالة دبلوماسية مختلفة أثارت حولها الكثير من علامات الاستفهام.
طوال سنوات عمله بالسودان ظل الرجل حاضراً في المشهد العام بصورة لافتة جعلته الأكثر ظهوراً وتحركاً مقارنة بكل السفراء الذين تعاقبوا على الخرطوم خلال السنوات الأخيرة.
يعد السفير السعودي الوحيد تقريباً الذي تمكن من التجوال بين ولايات السودان المختلفة من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، ومن الشرق إلى الغرب، في تحركات اتسمت بالاستمرارية والاتساع.
بعض تلك الزيارات كانت تحمل طابعاً إنسانياً وتنموياً، فيما رأى آخرون أنها تجاوزت الحدود التقليدية للعمل الدبلوماسي المعروف والمتعارف عليه.
المتابعون للشأن الدبلوماسي بالسودان يدركون جيداً أن حركة السفراء عادة ما تكون محدودة ومحكومة بضوابط بروتوكولية صارمة تتعلق بطبيعة الدولة المضيفة وحساسياتها السياسية والأمنية.
غير أن السفير السعودي كان يتحرك في مساحات واسعة وبصورة غير مسبوقة، الأمر الذي جعل الكثيرين يطرحون تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه التحركات وأهدافها الحقيقية.
الرجل كان يحصل على تصاديق وإذن بالحركة والتنقل بين الولايات والمدن والقرى بصورة منتظمة، في وقت كانت فيه تلك الأذونات تمنح بصعوبة بالغة لبقية السفراء والدبلوماسيين.
لم يكتفِ السفير بالتحرك داخل العواصم الولائية فقط، بل وصل إلى مناطق ريفية وقرى نائية، وهو أمر لم يكن مألوفاً في العمل الدبلوماسي داخل السودان.
اللافت أن أبواب مؤسسات الدولة السودانية كانت مفتوحة أمامه على مصراعيها، يدخل إليها متى شاء ويغادرها كيفما شاء دون تعقيدات تذكر.
العلاقة الوثيقة التي نسجها السفير مع مراكز النفوذ والقوى السياسية والمجتمعية منحت حضوره زخماً إضافياً، وأثارت في ذات الوقت كثيراً من الجدل.
منزل السفير السعودي تحول خلال سنوات عمله إلى ما يشبه المنتدى السياسي المفتوح الذي يجمع قيادات الأحزاب ورموز الإدارات الأهلية وفعاليات المجتمع السوداني.
موائد العشاء التي كان يقيمها الرجل باستمرار أصبحت حديث المجالس السياسية والإعلامية لما شهدته من حضور كثيف لشخصيات نافذة ومؤثرة.
السفير نجح بذكاء في بناء شبكة علاقات واسعة مع مختلف المكونات السودانية، وهو أمر يُحسب له من زاوية العمل الدبلوماسي الناعم.
لكن في المقابل، فإن هذا التمدد الواسع داخل المجتمع السوداني جعل البعض يعتبر أن الرجل تجاوز الحدود التقليدية للدبلوماسية المتعارف عليها.
شخصياً كنت من أكثر الأصوات التي انتقدت تحركات السفير، وكتبت مراراً عن ضرورة وضع ضوابط واضحة لتحركات السفراء داخل الولايات السودانية.
لم يكن نقدي موجهاً للمملكة العربية السعودية كدولة شقيقة تجمعها بالسودان علاقات تاريخية واستراتيجية، وإنما كان متعلقاً بمبدأ احترام الأعراف الدبلوماسية فقط.
قلت بوضوح وقتها إن أي سفير مهما كانت مكانة بلاده يجب أن يتحرك وفقاً للضوابط التي تحكم العمل الدبلوماسي داخل الدولة المضيفة.
كتاباتي حول هذا الملف أثارت غضب السفير السعودي الذي تعامل مع الأمر بحساسية بالغة، واعتبر أن ما أطرحه يمثل استهدافاً مباشراً له.
بلغ غضب السفير مبلغاً كبيراً دفعه للشكوى المتكررة لبعض المقربين منه من الصحفيين والسياسيين بسبب المقالات التي تناولت تحركاته بانتقاد واضح.
ورغم كل تلك الضغوط تمسكت بموقفي، لأنني كنت أرى أن المسألة تتعلق بسيادة الدولة قبل أي شيء آخر.
في أحاديث كثيرة كان بعض المقربين من السفير يبدون انزعاجهم من حدة النقد الإعلامي الذي يلاحق الرجل، إلا أن ذلك لم يغير من قناعاتي شيئاً.
وزارة الخارجية السودانية بدورها شعرت بحجم الجدل الذي أثارته اللقاءات المكثفة بين السفير وبعض قيادات المجتمع والإدارات الأهلية.
لذلك أصدرت الخارجية في مرحلة لاحقة توجيهات غير مباشرة تقضي بعدم مقابلة السفراء إلا بعد الحصول على إذن مسبق منها.
كثيرون رأوا في ذلك القرار رسالة دبلوماسية واضحة تستهدف تنظيم اللقاءات المتزايدة التي ظل يعقدها السفير السعودي مع شخصيات سودانية نافذة.
ورغم الجدل الذي صاحب تجربته بالسودان، لا يمكن إنكار أن الرجل كان يتمتع بحضور قوي وكاريزما لافتة وقدرة عالية على بناء العلاقات.
كما لا يمكن تجاوز الدور الكبير الذي لعبته المملكة العربية السعودية في دعم السودان خلال الفترات الصعبة سياسياً وإنسانياً واقتصادياً.
لكن تبقى الحقيقة الثابتة أن نجاح أي سفير يجب أن يكون محكوماً دائماً بسقف الأعراف الدبلوماسية واحترام خصوصية الدولة المضيفة.
الدبلوماسي الذكي هو الذي يعرف كيف يوازن بين توسيع نفوذه الناعم وبين عدم إثارة الحساسية داخل المجتمع الذي يعمل فيه.
ومع مغادرة السفير علي بن حسن بن جعفر تبقى تجربته في السودان واحدة من أكثر التجارب الدبلوماسية إثارة للجدل والاهتمام في السنوات الأخيرة.
وبين مؤيد لتحركاته وناقد لها سيظل الرجل حاضراً في ذاكرة المشهد السياسي السوداني كسفير كسر القواعد التقليدية للعمل الدبلوماسي وأعاد طرح الأسئلة القديمة حول حدود دور السفراء داخل الدول المضيفة.

