مقالات

الباقر عكاشة عثمان يكتب: بين الاعتراف بالأسباب وإنكار النتائج

دار بيني وبين أحد الذين يرفعون شعار “لا للحرب” ويختزلون الأزمة السودانية كلها في أحداث الخامس والعشرين من أكتوبر نقاش طويل بادرته بسؤال هل تشك في وجود دولا لعبت دورا في الحرب التي أشعلتها قوات الدعم السريع؟ فأجاب بالنفي وأقر بأن دولة الإمارات من بين الدول المتهمة بدعم هذه القوات.

ثم سألته هل تنكر وجود علاقات وتحالفات جمعت قوى الحرية والتغيي بمختلف مسمياتها بأطراف إقليمية لها مصالح وأجندات في السودان؟ فأجاب بالإقرار.

واصلت في تساؤلاتي هل تتفق معي بأن قوات الدعم السريع تنصلت من التزاماتها الواردة في اتفاق جدة وأن تدفق السلاح والعتاد إليها استمر بعد ذلك عبر تشاد ودول أخرى أغرتها الأموال الإماراتية؟ فأجاب بالإيجاب

ثم سألته: هل تؤمن بأن التدخلات الأجنبية والخروقات الأمنية الموثقة جعلت السودان ساحة مفتوحة لأجهزة الاستخبارات والصراعات الإقليمية تحت مظلة العملية السياسية الإطارية؟ فأكد ذلك أيضا
عندها خاطبته إذا كنت توافق على هذه الحقائق جميعها فلماذا تصر على تحميل الجيش وحده مسؤولية ما جرى؟ أليست هذه المعطيات مجتمعة هي التي قادت إلى الانفجار الكبير الذي تعيشه البلاد اليوم؟ أليس من الظلم اختزال أزمة بهذا الحجم والتعقيد في قرار سياسي واحد أو حدث بعينه؟

فالجيش بحكم موقعه ومسؤوليته الدستورية والأمنية، يرى من المهددات والمخاطر ما قد لا تراه القوى السياسية المنشغلة بحساباتها الحزبية ومن هذا المنطلق جاء قرار فض الشراكة باعتباره قرارا استند إلى تقديرات أمنية وسياسية رأت أن البلاد تسير نحو مخاطر جسيمة وليس مجرد رغبة في الاستيلاء على السلطة كما يحاول البعض تصويره و ما يثير الاستغراب لدى محدثي، وبعد كل هذه الإقرارات لا يزال يردد أن أصل الأزمة هو الخامس والعشرون من أكتوبر وكأن ما سبقه من اختراقات وتدخلات وأخطاء سياسية لم يكن له وجود والأعجب من ذلك أنه يمانع عودة بعض القيادات السياسية التي يعترفب نفسه بضعف أدائها وعجزها عن إدارة المرحلة الانتقالية كذلك ذراعه العسكري بل يقر بأن رئيس الوزراء السابق لم يكن صاحب قرار حاسم، وأن القوى التي كانت من حوله خذلته ومع ذلك يظل متمسكًا بالدفاع عن التجربة وكأنها كانت خالية من الأخطاء.

وهنا يبرز السؤال المشروع: كيف يمكن لإنسان أن يعترف بالأسباب ثم يرفض نتائجها؟ وكيف يقر بالاختراقات الخارجية والتدخلات الإقليمية وانهيار الشراكة السياسية وفشل بعض القوى التي أدارت المرحلة الانتقالية و استحالة عودة حميدتي ثم يعود ليختزل المشهد كله في رواية واحدة فقط؟

إن مثل هذه المواقف لا تعكس حرصا على الحقيقة بقدر ما تعكس انتقائية وتخبط وعدم اتزان في قراءة الأحداث فالإنصاف يقتضي النظر إلى الصورة كامل والاعتراف بأن بعض القوى السياسية نسقت أو تحالفت أو تقاطعت مصالحها مع قوات الدعم السريع وأن أطرافا أخرى بقصد أو بغير قصد ساهمت في الوصول إلى ما آلت إليه البلاد.

فالخصومة السياسية المعلنة، مهما اختلفنا معها تظل أكثر وضوحا من المواقف الرمادية التي تحاول الظهور بمظهر الحياد بينما تنحاز عمليا إلى أحد أطراف الصراع أو إلى جماعة الإطاري فوضوح الموقف حتى مع الاختلاف أكثر احتراما من الغموض الذي يختبئ خلف الشعارات البراقة.

فرفع شعار “لا للحرب” لا يكفي وحده لإثبات الحياد كما أن ترديد الشعارات شاكلة (حمدوك يمثلني) لا يعفي أحدا من مواجهة الحقائق والاعتراف بها كما هي. فالأزمات الكبرى لا تُفهم بالشعارات المختزلة وإنما بقراءة شاملة تنظر إلى الأسباب كافة، وتزن المسؤوليات بميزان واحد، بعيدا عن الانتقائية والانحياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى