الجيلي بلوله يكتب: أزمة الجنيه السوداني.. حين يصبح سعر الصرف مرآة لأزمة الاقتصاد

عندما يتجاوز سعر الدولار في السوق الموازية حاجز الثمانية آلاف جنيه سوداني، فإن المسألة لم تعد مجرد رقم جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من تراجعات العملة الوطنية، بل مؤشر على اختلال اقتصادي أعمق تتداخل فيه الحرب مع ضعف الإنتاج، واضطراب التجارة، وشح النقد الأجنبي، وتراجع القوة الشرائية للمواطن.
فالعملة في نهاية المطاف ليست ورقة نقدية فحسب، وإنما انعكاس لقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وجذب التدفقات المالية والمحافظة على الثقة. وكلما ضعفت هذه المرتكزات، أصبح الدفاع عن قيمة العملة أكثر صعوبة، مهما كانت الإجراءات النقدية المتخذة.
الدولار نتيجة للأزمة وسبب في تعميقها
من الخطأ النظر إلى ارتفاع الدولار باعتباره أصل المشكلة الاقتصادية في السودان. فهو، في جانب كبير منه، نتيجة لاختلالات أوسع، لكنه سرعان ما يتحول إلى سبب يفاقمها.
فعندما تتراجع القدرة الإنتاجية، وتتضرر سلاسل الإمداد، وتنخفض الصادرات، وتتقلص تدفقات النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، يزداد الضغط على العملة المحلية. وعندما تنخفض قيمة الجنيه، ترتفع تكلفة الوقود والنقل والمواد الخام والسلع المستوردة، ثم تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار السلع والخدمات.
وهكذا تتكون دائرة اقتصادية شديدة الخطورة:
انخفاض الإنتاج – شح النقد الأجنبي – ارتفاع الدولار – ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج – التضخم – تآكل القوة الشرائية – انكماش النشاط الاقتصادي – مزيد من الضغط على الجنيه.
ولذلك فإن التعامل مع سعر الصرف بمعزل عن بقية عناصر الاقتصاد يشبه معالجة أحد أعراض المرض مع ترك مسبباته الأساسية دون علاج.
الأزمة الحقيقية: القدرة على إنتاج الدولار
السؤال الأكثر أهمية ليس: كيف نخفض سعر الدولار؟
بل: كيف نبني اقتصادًا قادرًا على إنتاج الدولار؟
وهنا يختلف المنظور جذريًا.
الدولار المستدام لا يأتي من التدخلات المؤقتة في سوق الصرف، وإنما من اقتصاد ينتج ويصدر ويجذب التحويلات والاستثمارات ويستطيع توظيف موارده بكفاءة.
والسودان يمتلك في الأساس موارد يمكن أن تشكل قاعدة مهمة لتوليد النقد الأجنبي، من الذهب والزراعة والثروة الحيوانية وغيرها. لكن وجود الموارد وحده لا يصنع اقتصادًا قويًا؛ فالفارق الحقيقي تصنعه القدرة المؤسسية على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
وهنا تظهر أهمية الحوكمة.
فالذهب الذي لا تمر عائداته عبر القنوات المنظمة لا يؤدي دوره الكامل في دعم الاقتصاد، والصادرات الزراعية التي تعاني ضعف الإنتاجية والبنية التحتية وسلاسل الإمداد لا تحقق كامل إمكاناتها، والتحويلات التي تبحث عن السوق الموازية بدل النظام المصرفي تعكس في جانب منها مشكلة ثقة وحوافز، وليست مجرد مشكلة نقدية.
عندما تتحول أزمة العملة إلى مخاطر نظامية
الخطر الأكبر هو أن أزمة سعر الصرف لا تبقى محصورة داخل سوق العملات.
فعندما تنتقل الصدمة من الجنيه إلى الوقود، ومن الوقود إلى النقل، ومن النقل إلى الغذاء، ومن الأسعار إلى القوة الشرائية، ومن القوة الشرائية إلى النشاط التجاري، نكون أمام ما يمكن وصفه بـ المخاطر النظامية Systemic Risk.
وهذه المخاطر تختلف عن الأزمات المنفردة لأنها تنتقل عبر أجزاء الاقتصاد وتغذي بعضها بعضًا.
فارتفاع سعر الصرف يؤثر في التضخم، والتضخم يؤثر في الدخول الحقيقية، وتراجع الدخول يؤثر في الاستهلاك، وضعف الاستهلاك يؤثر في الشركات، وتعثر الشركات يؤثر في القطاع المالي والعمالة والإيرادات العامة.
وهكذا يمكن لصدمة بدأت في سوق الصرف أن تتحول إلى أزمة اقتصادية واجتماعية واسعة.
القوة الشرائية هي المؤشر الذي يشعر به المواطن
بالنسبة للمواطن، لا يمثل سعر الدولار القضية الأساسية في حد ذاته.
ما يعنيه فعليًا هو: كم يستطيع راتبه أن يشتري؟.
وهنا تكمن خطورة التضخم المصاحب لانخفاض العملة. فإذا ارتفعت الدخول بنسبة محدودة بينما ارتفعت أسعار السلع الأساسية والنقل والسكن والخدمات بنسب أكبر، فإن الدخل الحقيقي يتراجع حتى لو ظل الرقم الاسمي للراتب ثابتًا أو ارتفع.
وبهذا المعنى، فإن تدهور العملة يعيد توزيع الخسائر داخل المجتمع؛ وتتحمل الأسر ذات الدخول الثابتة والمحدودة جانبًا كبيرًا من التكلفة لأنها أقل قدرة على حماية مدخراتها ودخولها من التضخم.
الحل ليس قرارًا نقديًا منفردًا
استقرار الجنيه يحتاج بالتأكيد إلى سياسات نقدية ومالية منضبطة، لكنه يحتاج قبل ذلك ومعه إلى منظومة اقتصادية متكاملة.
تبدأ هذه المنظومة باستعادة النشاط الإنتاجي، وتحسين قدرة القطاعات التصديرية، وتنظيم صادرات الذهب والموارد الأخرى، وتعزيز القنوات الرسمية للتحويلات، وتحسين بيئة الأعمال، وتقوية النظام المصرفي، وترشيد الإنفاق العام، ورفع كفاءة إدارة الموارد.
والأهم من ذلك كله هو استعادة الثقة.
فالاقتصادات لا تعمل بالأموال وحدها؛ وإنما تعمل أيضًا بالتوقعات والثقة. وعندما يفقد المتعاملون الثقة في قدرة العملة على الاحتفاظ بقيمتها، فإنهم يبحثون عن الدولار أو الذهب أو الأصول الأخرى لحماية مدخراتهم، وهو ما يخلق طلبًا إضافيًا على العملات الأجنبية ويزيد الضغط على العملة المحلية.
وهكذا تصبح الثقة نفسها متغيرًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن الاحتياطيات والسيولة.
من إدارة سعر الصرف إلى حوكمة الاقتصاد
ربما يكون الدرس الأهم في الأزمة السودانية هو ضرورة الانتقال من إدارة سعر الصرف إلى حوكمة الاقتصاد.
والفرق بينهما كبير.
إدارة سعر الصرف تبحث عن كيفية السيطرة على السعر اليوم، بينما حوكمة الاقتصاد تسأل: كيف نبني منظومة تمنع عودة الأزمة غدًا؟.
الأولى تتعامل مع النتيجة، والثانية تبحث في الأسباب.
وهنا تصبح جودة القرار الاقتصادي عنصرًا حاسمًا. فالاقتصاد في ظروف الحرب وشح الموارد لا يحتمل قرارات منعزلة أو قصيرة الأجل، وإنما يحتاج إلى ترتيب واضح للأولويات، وربط السياسات النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية ضمن إطار واحد لإدارة المخاطر.
ويجب أن يخضع كل قرار اقتصادي جوهري لثلاثة أسئلة بسيطة:
ما أثره في الإنتاج؟
ما أثره في تدفقات النقد الأجنبي؟.
وما أثره في القوة الشرائية للمواطن؟.
إذا أصبحت هذه الأسئلة جزءًا من صناعة القرار، يمكن الانتقال تدريجيًا من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة على الصمود الاقتصادي.
من التشخيص إلى التنفيذ: ماذا يمكن فعله؟
إذا كان تراجع الجنيه انعكاسًا لاختلالات مترابطة، فإن الاستجابة تحتاج إلى برنامج متكامل، لا إلى إجراءات متفرقة. ويمكن أن يقوم هذا البرنامج على ستة مسارات عملية:
أولًا: إنشاء غرفة اقتصادية موحدة لإدارة الأزمة.
تجمع الجهات المعنية بالسياسات النقدية والمالية والتجارة والإنتاج والصادرات، وتعمل وفق مؤشرات أسبوعية واضحة لسعر الصرف والتضخم وتدفقات النقد الأجنبي وأسعار السلع الأساسية. الهدف هو الانتقال من رد الفعل إلى القرار المبني على البيانات والإنذار المبكر.
ثانيًا: إعطاء الأولوية للقطاعات المنتجة للنقد الأجنبي.
بدل توزيع الموارد المحدودة على نطاق واسع، ينبغي تحديد القطاعات الأعلى قدرة على توليد حصائل الصادر، وفي مقدمتها الذهب والزراعة والثروة الحيوانية، ومعالجة الاختناقات التي تحد من إنتاجها وتصديرها.
ثالثًا: توسيع القنوات الرسمية للنقد الأجنبي.
لا يكفي تقييد السوق الموازية ما دامت أكثر جاذبية للمتعاملين. المطلوب بناء حوافز تجعل تحويلات السودانيين في الخارج وحصائل الصادرات تمر عبر النظام المالي الرسمي، من خلال تحسين الخدمات وتقليل تكاليف التحويل وزيادة سرعة الوصول إلى الأموال وتعزيز الثقة في المؤسسات المصرفية.
رابعًا: حماية القوة الشرائية بصورة مستهدفة.
في ظل محدودية الموارد، ينبغي أن تركز الحماية الاجتماعية على السلع والخدمات الأكثر تأثيرًا في معيشة الأسر، وعلى الفئات الأكثر تعرضًا للتضخم، مع تجنب السياسات العامة المكلفة التي قد تستفيد منها فئات لا تحتاج إليها.
خامسًا: إخضاع القرارات الاقتصادية لاختبارات أثر ومخاطر.
قبل اتخاذ أي قرار يتعلق بالضرائب أو الجمارك أو الواردات أو الصادرات أو التمويل، ينبغي قياس أثره المتوقع في سعر الصرف والتضخم والإنتاج والقوة الشرائية. فقرار يعالج مشكلة في جهة لكنه يخلق أزمة أكبر في جهة أخرى ليس إصلاحًا اقتصاديًا.
سادسًا: بناء لوحة مؤشرات معلنة للمساءلة الاقتصادية.
الثقة تحتاج إلى شفافية. ويمكن نشر مجموعة محدودة من المؤشرات بصورة دورية تشمل التضخم، والصادرات، والواردات الأساسية، وتدفقات النقد الأجنبي الرسمية، والإنتاج في القطاعات الرئيسية. ما لا يتم قياسه يصعب إدارته، وما لا يتم الإفصاح عنه يصعب بناء الثقة حوله.
هذه الإجراءات لن تعيد للجنيه قوته بين ليلة وضحاها، لكنها يمكن أن تغير طريقة إدارة الأزمة: من ملاحقة سعر الدولار بعد ارتفاعه إلى معالجة العوامل التي تدفعه إلى الارتفاع أصلًا.
الجنيه مرآة وليس المشكلة كلها
قد يرتفع الدولار اليوم وينخفض غدًا، لكن التحسن المستدام في قيمة الجنيه لن يصنعه تحرك مؤقت في سوق العملات.
الاستقرار الحقيقي يبدأ عندما يستعيد الاقتصاد قدرته على الإنتاج والتصدير وجذب التدفقات وبناء الثقة.
لذلك فإن معركة الجنيه ليست معركة البنك المركزي وحده، ولا معركة سوق العملات وحدها؛ إنها معركة الإنتاج والمؤسسات والحوكمة والثقة وجودة القرار.
والسؤال الذي ينبغي أن يقاس به نجاح أي برنامج اقتصادي ليس فقط: إلى أين وصل سعر الدولار؟ بل أيضًا: هل ارتفع الإنتاج؟ هل زادت تدفقات النقد الأجنبي الرسمية؟ وهل تحسنت القوة الشرائية للمواطن؟
فإذا لم تتحسن هذه المؤشرات، فإن انخفاض الدولار ـ إن حدث ـ قد يكون مجرد هدنة مؤقتة، لا تحولًا اقتصاديًا مستدامًا.
ربما يكون سعر الصرف أكثر المؤشرات صدقًا في التعبير عن صحة الاقتصاد ، ولكن يبقى الجنيه ليس هو الأزمة كلها…
إنه المرآة التي تعكسها.
*خبير الحوكمة وإدارة المخاطر

