الصادق محمد أحمد يكتب: دارفور بين الدولة الموازية والانفصال: هل بدأت إعادة رسم خريطة السودان من جديد؟

قد يبدو السؤال صادماً للكثيرين، وربما يراه البعض مبالغة سياسية أو محاولة لإثارة المخاوف، لكن قراءة التطورات الأخيرة بعيداً عن الانفعالات والشعارات تقود إلى حقيقة مقلقة، وهي أن السودان لم يعد يواجه مجرد تمرد مسلح، بل يواجه احتمال تشكل واقع سياسي وجغرافي جديد قد يعيد رسم خريطة الدولة نفسها لأول مرة منذ انفصال جنوب السودان عام 2011.
فمع إعلان قائد مليشيا الدعم السريع مؤخراً عن تشكيل مجلس للأمن والدفاع يتولى وضع أسس جيش جديد وأجهزة أمنية واستخباراتية ومؤسسات دفاعية مستقلة، لم يعد الحديث يدور حول إدارة مناطق سيطرة عسكرية مؤقتة، بل حول بناء هياكل دولة كاملة موازية للدولة القائمة.
لفهم خطورة ما يجري اليوم، لا بد من العودة إلى التاريخ. فدارفور ليست مجرد ولاية أو إقليم داخل السودان الحديث، بل كانت دولة قائمة بذاتها لقرون طويلة. حكمتها سلطنة دارفور تحت قيادة سلاطين الكيرا منذ القرن السابع عشر تقريباً، واستمرت ككيان سياسي مستقل حتى سقوطها عام 1874، قبل أن تستعيد استقلالها مجدداً بقيادة السلطان علي دينار بعد انهيار الدولة المهدية، لتبقى مستقلة حتى ضمها البريطانيون نهائياً إلى السودان عام 1916.
وفي علم السياسة، تشكل الذاكرة التاريخية للدولة السابقة أحد أهم العناصر التي تُبنى عليها مشاريع الانفصال مستقبلاً. ولذلك تختلف دارفور عن كثير من أقاليم السودان الأخرى، لأنها تمتلك إرثاً سياسياً سابقاً للدولة السودانية الحديثة نفسها. ومنذ ضمها إلى السودان، ظل جزء من النخبة السياسية والاجتماعية في الإقليم ينظر إلى العلاقة مع المركز من منظور مختلف، ليس باعتبارها علاقة بين ولاية وعاصمة، بل بين كيان تاريخي سابق ودولة مركزية ورثت السلطة بعد الاستعمار.
وبعد استقلال السودان وتعاقب الحكومات المختلفة في المركز، عانى الإقليم خلال بعض الفترات من موجات الجفاف والتصحر والصراعات القبلية، خاصة خلال ثمانينيات القرن الماضي. وقد أوجد هذا الواقع شعوراً لدى قطاعات واسعة من أبناء دارفور بالتهميش، وأن الدولة المركزية لا توليهم الاهتمام الكافي ولا تستجيب لاحتياجاتهم التنموية والخدمية، علماً بأن أوضاع بعض المناطق في شمال وشرق السودان ومنطقة البطانة لم تكن أفضل حالاً من دارفور خلال تلك الفترة.
ومع بداية الألفية الجديدة، انفجرت الأزمة بصورة غير مسبوقة عندما ظهرت حركتا تحرير السودان والعدل والمساواة، اللتان حملتا السلاح ضد الحكومة المركزية رافعتين شعارات العدالة وتقاسم السلطة والثروة. وتبعتهما عشرات الحركات المسلحة التي اتخذت من العمل العسكري وسيلة للحصول على النفوذ السياسي والاقتصادي.
وفي ذلك الوقت، لم يكن الانفصال هو الهدف المعلن، لكن الحرب الطويلة وما تبعها من مآسٍ إنسانية واتفاقيات متعثرة خلقت أرضية سياسية وفكرية أفرزت مفاهيم لم تكن مطروحة سابقاً، مثل الحكم الذاتي وتقرير المصير. وبطبيعة الحال، لم يكن الأمر يخلو من تأثيرات خارجية ومصالح إقليمية ودولية سعت إلى تشجيع هذه الأفكار ودفعها إلى دائرة النقاش العلني.
واليوم، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام على الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع إثر تمردها على الدولة السودانية في أبريل 2023، يسيطر الجيش السوداني على معظم الأراضي السودانية، باستثناء بعض المناطق في كردفان ومعظم إقليم دارفور الذي لا تزال تسيطر عليه المليشيا.
غير أن التحول الأخطر ليس عسكرياً، خاصة مع استمرار تقدم القوات المسلحة في عدد من المحاور، وإن كان بوتيرة يراها البعض بطيئة، وإنما يكمن في التحول السياسي الذي يشهده الإقليم. فقد بدأت المليشيا وحلفاؤها في بناء مؤسسات موازية شملت مجلساً رئاسياً وحكومة تنفيذية ودستوراً انتقالياً، وأخيراً مجلس أمن ودفاع ومشروع جيش جديد وأجهزة أمنية واستخباراتية مستقلة.
وهنا تظهر المقارنة التي يخشاها كثيرون؛ فجنوب السودان لم ينفصل في اليوم الذي أُعلن فيه الاستقلال عام 2011، بل بدأ الانفصال فعلياً عندما تشكلت مؤسساته السياسية والعسكرية والإدارية بصورة منفصلة عن الخرطوم قبل سنوات طويلة.
وإذا أراد أي مراقب أن يفهم طبيعة المشروع الجاري اليوم، فعليه أن يراقب نيالا أكثر من أي مدينة أخرى. فالمدينة لم تعد مجرد مركز إداري في جنوب دارفور، بل بدأت تتحول تدريجياً إلى عاصمة فعلية لمناطق نفوذ جديدة.
ومن منظور استراتيجي، تحتاج أي سلطة تسعى إلى الاستمرار إلى أربعة عناصر أساسية: الأرض، والسكان، والموارد، والمركز الإداري. وهذه العناصر تتجمع اليوم بصورة متزايدة حول نيالا. لذلك فإن أهمية المدينة لا تكمن فقط في موقعها الجغرافي، بل في كونها مرشحة لتصبح مركز القرار السياسي والعسكري والاقتصادي لأي كيان موازٍ إذا طال أمد الحرب.
ومن ناحية أخرى، يصعب فهم الصراع الدائر في دارفور بعيداً عن العامل الاقتصادي. فالإقليم يضم ثروات ضخمة تشمل الذهب والمعادن والثروة الحيوانية والأراضي الزراعية الواسعة، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط السودان بتشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا.
لذلك فإن السيطرة على دارفور لا تعني فقط السيطرة على مساحة جغرافية واسعة، بل تعني امتلاك قاعدة اقتصادية قادرة على تمويل مشروع سياسي طويل الأمد. وفي تجارب عديدة حول العالم، لم يكن الانفصال ممكناً إلا عندما امتلكت الحركات المسلحة موارد ذاتية تمكنها من الاستمرار بعيداً عن سلطة المركز.
والمفارقة أن بعض الحركات المسلحة التي رفعت لعقود شعار “السودان الجديد” أصبحت اليوم جزءاً من السلطة المركزية، بينما اختارت حركات أخرى التحالف مع مشاريع سياسية وعسكرية جديدة. وخلال السنوات الماضية، ظهرت تصريحات ومواقف من شخصيات سياسية وعسكرية مختلفة ألمحت إلى أن استمرار التهميش أو فشل الدولة السودانية قد يفتح الباب أمام خيارات أكثر راديكالية، بما فيها تقرير المصير.
ورغم أن فكرة الانفصال لم تتحول إلى برنامج رسمي معلن لدى أغلب القوى الدارفورية، فإن مجرد انتقالها من الهامش إلى دائرة النقاش السياسي يمثل تطوراً مهماً، لأن الأفكار التي كانت تبدو مستحيلة قبل عشرين عاماً أصبحت اليوم قابلة للنقاش تحت ضغط الحرب والانقسام.
ومن المهم الإشارة إلى أن الخطاب السياسي الرسمي لما يسمى بتحالف “تأسيس” لا يتبنى حتى الآن مشروع انفصال دارفور بصورة معلنة، بل يتحدث عما يسميه “إعادة تأسيس الدولة السودانية وصياغة نظام حكم جديد”. غير أن التجارب التاريخية تشير إلى أن الكيانات السياسية قد تبدأ بمشروعات إصلاحية أو اتحادية قبل أن تتطور لاحقاً إلى مطالب انفصالية عندما تتعمق الفجوة بين المركز والأطراف.
أما بالنسبة للمجتمع الدولي، فلا توجد حتى هذه اللحظة أدلة معلنة تثبت وجود مشروع دولي رسمي لتقسيم السودان أو دعم استقلال دارفور. فالمجتمع الدولي ما زال يعترف رسمياً بالسودان دولة موحدة ذات سيادة، كما صدرت تصريحات عديدة تؤكد عدم الاعتراف بالحكومة التي أُعلن عنها في نيالا بواسطة مليشيا الدعم السريع وحلفائها.
لكن المشكلة أن الانفصال لا يحتاج دائماً إلى قرار دولي مسبق. ففي كثير من الحالات التاريخية جاء الاعتراف الدولي بعد ترسخ الوقائع على الأرض. فالدول الكبرى لا تصنع كل الانفصالات، لكنها كثيراً ما تتعامل مع النتائج عندما تصبح أمراً واقعاً.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فإذا أصبحت دارفور كلها تحت سلطة واحدة متصلة جغرافياً، فإن ذلك سيمنح أي مشروع سياسي موازٍ قوة أكبر بكثير من الوضع الحالي. ولهذا تبدو معارك دارفور وكأنها معارك على مستقبل الخريطة السودانية نفسها.
واليوم يقف السودان بين احتمالين خطيرين: الأول أن يتحول إلى نموذج شبيه بليبيا، حيث توجد حكومتان ومؤسستان عسكريتان وسلطتان متنافستان لسنوات طويلة دون حسم نهائي. أما الاحتمال الثاني فهو أن تتطور المؤسسات الموازية تدريجياً إلى كيان سياسي مستقل بحكم الأمر الواقع، ثم يتحول لاحقاً إلى مشروع انفصال معلن إذا توفرت الظروف الداخلية والإقليمية المناسبة.
والفرق بين السيناريوهين ليس كبيراً كما يعتقد البعض، فكثير من الدول المنقسمة تبدأ أولاً كسلطات متوازية قبل أن تصل إلى نقطة الانفصال النهائي.
وقد يكون من المبكر الحديث عن دولة مستقلة في دارفور، لكن من الخطأ أيضاً تجاهل المؤشرات التي تتشكل أمام الجميع. فعندما يظهر جيش مستقل، ومجلس أمن ودفاع مستقل، وحكومة موازية، وعاصمة سياسية بديلة، واقتصاد قائم على الموارد المحلية، فإن القضية لم تعد مجرد تمرد عسكري، بل أصبحت سؤالاً وجودياً يتعلق بمستقبل السودان نفسه.
لقد خسر السودان جزءاً عزيزاً من أرضه عندما انفصل الجنوب عام 2011. وكان كثيرون يعتقدون أن درس التقسيم أصبح من الماضي، لكن التطورات الراهنة تعيد إلى الأذهان دروس تجربة الانفصال السابقة.
ولهذا فإن السؤال الأخطر الذي يواجه السودان اليوم ليس: هل ستنفصل دارفور؟ بل: هل بدأت دارفور بالفعل مسار الانفصال بينما لا يزال الجميع منشغلاً بالمعارك والانتهاكات التي ترتكبها المليشيا هنا وهناك؟ وهل نحن أمام ليبيا جديدة أم جنوب سودان جديد؟
هذه أسئلة قد تحدد شكل ومستقبل السودان لعقود قادمة.

