الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: مضى عام كامل يا حكومة الأمل ونبحث عن الانجازات ولم نجد ما يشفي الصدور

الصفر البارد.. جلال الدين محمد إبراهيم يكتب: مضى عام كامل يا حكومة الأمل ونبحث عن الانجازات ولم نجد ما يشفي الصدور
مضى عام كامل على تولي الدكتور كامل إدريس منصب رئيس الوزراء، عامٌ كان يملؤه السودانيون أملًا كبيرًا، وعلقوا عليه آمالًا عريضةً أن يكون هذا الرجل هو النفس الجديد الذي ينتشل البلاد من مستنقع الفساد والاهمال والتدهور الخدمي. لكن بعد اثني عشر شهرًا مرّت كالبرق، ما زال الشعب يتلفت يمنةً ويسرةً، يبحث عن بصمة، عن إنجاز، عن شيء ملموس يمسح دمعة أمٍ حزينةٍ على فقدان ابنها أو زوجها، فلا يرى سوى السراب. وغنّى الشعب ببيت الشعر الذي نصّه: «وَأَصْبَحْتُ مِنْ لَيْلَى الغُدَاةَ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ لِلْمَاءِ خَانَتْهُ فُرُوجُ الْأَصَابِعِ».
صحيح أن عدد الرحلات الدولية للدكتور كامل تضاعف بشكل ملفت، وصحيح أن التصريحات الوردية تملأ الفضاء الإعلامي عقب كل عودة من عواصم العالم، وكأن كل رحلة تحمل في جعبتها معجزةً ستنقل السودان إلى مصاف الدول المتقدمة بين ليلة وضحاها. لكن السؤال المحيّر الذي يرسمه المواطن البسيط على جبينه المكلوم: أين ثمار كل هذه الرحلات؟ أين الإنجاز الذي يخفف معاناتنا اليومية على أرض الواقع؟ يبدو أن البروتوكولات الدبلوماسية والخطابات الرنانة تحولت إلى بديل مريح عن تقديم الخدمات الأساسية التي يحتاجها الجائع قبل العطشان، والمريض قبل المعافى.
وهنا لا بد من التوقف عند نقطة تعدّ في نظر الشعب السوداني “مربط الفرس” الحقيقي. لقد أصبحت سرقة السيارات وتدميرها ونهب قطع الإسبرات منها في الحرب ظاهرة تؤرق الملايين وتدمي قلوبهم. فالمواطن الذي يُنهب منه عربة عمره، رزقه الذي تعب عليه سنين طويلة من الكدح والعمل الشاق، يفاجأ بأن الدولة لا تقدم له حتى متنفسًا أوليًا بسيطًا، كإعفاء جمركي كامل، ويُسمح له باستيراد سيارة بمثابة تعويضٍ جزئيٍّ له عن خسارته. وكان الأمل معقودًا أن يصدر قرار إنساني من هذا النوع، يظهر فيه رئيس الوزراء بمظهر الرجل الذي يفهم آلام الشعب، لكن ذلك لم يحدث، وبقي حلم الإعفاء الجمركي للسيارات المسروقة مجرد أمنية تتبخر مع كل تصريح جديد.
وتعالوا وانظروا معي إلى حال الكهرباء في الخرطوم، فقد تحولت إلى معجزة نادرة لا تحدث إلا في المخيلات. يوميًا، عشر ساعات انقطاع فأكثر في أحسن الأحوال، ولا أحد يهتم بالمرضى على أجهزة التنفس الاصطناعي، أو مرضى السكري المزمن. ونبحث عن الأنسولين لنداء الأسعار؛ مجرد نيران غير صديقة. تحت نيران الحرب في الخرطوم عام كامل، وتم الهدّ علينا، وكادت مليشيات الدعم السريع أن تقتلنا أكثر من مرة. وبحثنا عن الشرطة لتحمينا فلم نجدها، وبحثنا عن سلاح فلم نجد. وقُتل منا من قُتل، وضاع منا كل شيء: لا أثاث، لا شبابيك، لا أبواب، لا عفش، ولا سيارات، كلها سُرقت. والحمد لله نجا البعض منا بالروح سليمة بفضل الله. فهل في حكومة الأمل من واجهته كل هذه المحن حتى يشعر بحالنا؟ (إني أشك).
الحال لا يقف عند هذا الحد المأساوي. في مدينة بحري، وبالتحديد في الأحياء المهمشة والمتروكة، بات للرعب اسم واحد: ثعبان الكوبرى السام القاتل. هذه الزواحف الفتاكة تخرج من فوهات الصرف الصحي المتهالكة وفي شوارع متربة، لتضرب ضحاياها بسم يقتل في لحظات قليلة، والمستشفيات تخلو تمامًا من مصل مضاد للدغات الثعابين. مشاهد مأساوية لأطفال وشباب وكهول يفارقون الحياة في عذاب أليم لأن الدولة لم تضع بندًا بسيطًا في ميزانيات المستشفيات لشراء هذا المصل المنقذ للحياة.
آخر المداد:
مضى عام يا دكتور كامل، وما زال الشعب ينتظر انجازًا واحدًا يعيد إليه ثقته في غد أفضل. فكم سنعيش على وقع الوعود التي تتبخر كالسراب، ونحن نغرق في واقع لا يرحم ولا ينتظر؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد. فستذكرون ما أقول لكم، وأفوض أمري إلى الله، إن الله بصير بالعباد.

