كرّ البلقاء.. ممدوح حسن عبد الرحيم يكتب: القسمة

إن الله وحده هو الذي يدبّر أمر الكون، ويتكفّل بمعاش الناس ورزقهم.
قال تعالى:
﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود].
بالأمس كنت أمشي على الأرض هونًا، وأنا أراجع شريط الذكريات، وقد صرتُ على المعاش أرجو رحمة ربي، فإذا بي ألمح رجلًا قد تجاوز الستين، يبحث في القمامة، ويمسك بقميصٍ قديم، يبدو أنه قد أعجبه؛ لأنه طواه بعناية ووضعه في كيسٍ كان يحمله، وهو ما يزال يبحث عن شيءٍ مفيد آخر، علّه يكفيه شرّ السؤال.
عندها سرحت بعيدًا، وبعيدًا جدًا، حيث لا حدّ ولا ساحل، حيث العجز الكامل والشكر الشامل، حيث من بيده ملكوت كل شيء، يداول الأيام، ويقسم الأرزاق، ويعزّ ويذلّ.
قال تعالى:
﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف].
هل هي نهاية المطاف؟
كيف بك إذا وجدت نفسك مسخّرًا عند غيرك؟
يأتيك رزقك كدًّا نكدًا.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال تعالى:
﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف].
أهذا هو الثمن إذن؟
هي رحمة الله الواسعة، تغمر القلب القانع، وتصلح البال الشارد.
تأوي إلى بيتك بين أهلك في أمان، معافى الجسد، خاليًا من الحسد، تسلّم نفسك لله في نومٍ عميق، لا يوقظك منه إلا فلق الفجر أو ثلثه الأخير، وأنت تتضرع، وتدعو، وتتذلل.
هذا إذن، أنت في عالمٍ آخر لا يعرف إلا الرحمة، وأنت ترجو حرث الآخرة، ولم تأكل من أجرك شيئًا، تودّع الدنيا وأنت خفيف الحمل.
الحمد لله.

