مقالات

بالمنطق.. صلاح الدين عووضة يكتب: المسامح كريم !!

ولكن ليس في كل الحالات..
فمليشيا آل دقلو – مثلا – لا يمكن لشعب بلادي أن يسامحها أبدا ، أبدا..
وذلك لأن حربها كانت ضده في المقام الأول..
كانت حربا ذات أحقاد جنونية موجهة ضد المواطن بأكثر من كونها ضد الجيش أو الحكومة أو الفول..

وليس هذا موضوعنا اليوم على أية حال..
فقبل سنوات خلت كنت أجلس في محل حلاقة – بالإسكندرية – انتظارا لدوري ، وضجيج إغنية (ما خدش العجوز أنا..لزقه يوقع في القناة) يملأ الفضاء..

وعلى يميني رجلان ربما كان أحدهما هو المعنى بكلمات الأغنية الشعبية تلك..

ويطالعان من خلف عدسات سميكة صحيفة تماثلهما عمرا حتى غدت صفراء (تضر) الناظرين..

ثم مال نحوي الأقرب لي منهما وهو يمضغ كلمات يصعب فهمها بسهولة لخلو الفم من الذي يساعد على مضغ الطعام (بص يا أستاذ ؛ ده يرضي ربنا؟)..

فبصصت ؛ فإذا بإعلان يعود إلى منتصف أربعينيات القرن الماض عن قضية بيت متنازع عليه..

وكدت أن أقول له وهل يرضي ربنا أن تقحمني في موضوع عالق منذ أيام شبابك وحتى أيامك هذه وأنت توشك أن (تقع في القناة) ؟!..
غير أني اكتفيت – تحاشيا للخوض في نقاش لا معنى له – بعبارة (المسامح كريم)..

كان هذا في نهاية الثمانينيات ، فما الذي جعلني أتذكره اليوم؟!..
ما جعلني استحضره – والشيء بالشيء يذكر – أنني كنت أهيم في شوارع الفلسفة – إسفيريا – البارحة على غير هدى..
فعثرت – بمحض الصدفة – على ما ضاع مني قبل سنوات عديدة خلت..

على بحث فلسفي قدمته – كمحاضرة – أمام زملائي في عامنا الجامعي الثالث بطلب من أستاذ فلسفة التصوف الإسلامي آنذاك جمال المرزوقي..

هو لم يكن يعرف ماذا سأقول ؛ فقط طلب مني – كعادته أحيانا – ملء فراغ المحاضرة الزمن بأي كلام ، أي كلام..
فكان كلامي يومذاك مقارنة في فلسفة الوجود والعدم بين الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط وفيلسوف التصوف الإسلامي محي الدين بن عربي..

وعند نهاية المحاضرة اختفت أوراق بحثي ذاك..
فقد أخذها مني أستاذنا هذا على أن يعيدها إلي – حسب قوله – بعد أيام..

وتطاولت الأيام هذه حتى بلغت ما بلغته قضية منزل ذينك الرجلين – عند حلاق الإسكندرية – من سنوات..
ثم فوجئت ببحثي هذا ذاته – وبعنوانه ذاته – قد صار سببا في نيل أستاذنا جمال درجة الدكتوراه..
فماذا أفعل بعد كل هذه الأعوام سيما وقد كدت أنا نفسي أن (أقع في القناة)..
وهل هذا يرضي ربنا؟..

ليس أمامي سوى أن أوجه لنفسي النصيحة القديمة تلك ذاتها التي أردت أن أسكت بها (عجوزي) حلاق الإسكندرية..
المسامح كريم !!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى