الباقر عكاشة عثمان يكتب: بين عدالة المطالب وابتزاز الدولة

لا تُعتبر قضايا الأقاليم السودانية اكتشافًا سياسيًا، ولا تحتاج إلى حمل السلاح حتى تصبح مرئية أمام الدولة، فهي قضايا يعرفها المواطن البسيط قبل السياسي، ويعيش تفاصيلها يوميًا في التعليم والصحة والخدمات وفرص العمل والتنمية بصفة عامة. يعرفها الطالب الذي يجلس في فصل تنقصه مقومات العملية التعليمية، والمريض الذي يقطع المسافات بحثًا عن العلاج، والموظف الذي لا يكفيه راتبه لمواجهة أعباء المعيشة، والشاب الذي تتضاءل أمامه فرص المستقبل في وطن يزخر بالموارد والإمكانات.
هذه ليست قضايا قبلية ولا مطالب فئة سياسية بعينها، وإنما حقوق ترتبط بكرامة الإنسان، وتدخل في صميم مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها. ومن الطبيعي أن تتفاوت احتياجات المناطق، وأن تختلف أولوياتها وفق ظروفها الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية، لكن ليس من المقبول أن يتحول هذا التفاوت إلى أساس للتمييز، أو أن تصبح المطالبة بالحقوق منافسة بين المكونات الاجتماعية، يسعى كل منها إلى انتزاع نصيبه على حساب الآخر.
وهنا تبدأ الأسئلة الحقيقية: إذا كانت قضايا الإقليم الواحد معروفة ومتقاربة، فلماذا تتعدد الحركات التي ترفع شعارات المطالبة بحقوقه؟ وما دامت المظالم مشتركة، فلماذا تعجز القيادات عن الاتفاق على مشروع جامع؟ وهل يكمن الخلاف في طبيعة المطالب، أم في من يمتلك حق تمثيل الإقليم والتفاوض باسمه، أم أن وراء بعض هذه الخلافات حسابات سياسية ومصالح تتجاوز ما يعلنه أصحابها من شعارات؟.
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التشكيك في عدالة المطالب، ولا إنكار ما تعرضت له بعض المناطق من تهميش واختلال في توزيع الخدمات والموارد، وإنما يعني ضرورة التمييز بين عدالة القضية ومشروعية الوسيلة، وبين حقوق المواطنين وطموحات القيادات التي تتحدث باسمهم.
من حق أي مجموعة أن تنظم نفسها، وأن تدافع عن مصالحها، وأن تعبّر عن مظالمها بالوسائل المشروعة، لكن عندما تتقارب المطالب الأساسية لحركات تنتمي إلى إقليم واحد، يصبح من المشروع التساؤل عن أسباب انقسامها، وعن مدى قدرتها على صياغة برنامج مشترك يعبّر عن السكان بمختلف مكوناتهم.
في نظري، إذا وصلت قيادات متعددة إلى قناعة بأن الوسائل السياسية والإعلامية لم تحقق المطالب المنشودة، وأن حمل السلاح أصبح في نظرها خيارًا للمواجهة، فلماذا لا تتفق على رؤية موحدة، وأهداف معلنة، وآلية مشتركة لتمثيل الإقليم؟ وإذا كانت الغاية هي تحقيق التنمية والعدالة، وتوفير الخدمات، وضمان المشاركة في إدارة الموارد، فما الذي يمنع الاتفاق على الحد الأدنى من هذه المطالب؟.
وفي الجهة الأخرى، لماذا تتغافل الدولة، على مدى الحقب، عن بقية الأقاليم الآمنة التي لم تحدّثها نفسها بتعكير صفو الأمن وإهدار الخزينة العامة عبر تكوين الحركات أو التهريب، فظلت بلا تنمية؟
التنمية والأمن وجهان لعملة واحدة.
لماذا تذهب معظم موارد هذه الأقاليم إلى الخزينة الاتحادية؟ ولماذا تُستخدم لسد فاتورة الأمن والسلم معًا، في الوقت الذي تتمتع فيه بعض مناطق إنتاج البترول بامتيازات ونصيب مقدر، كما هو الحال في الموانئ، بينما تُحرم مناطق السدود والتعدين والمعابر؟.
لماذا يكون نصيب هذه المناطق مجرد حفنة في شكل مسؤولية مجتمعية؟ ولماذا لم يتم تعويض المتأثرين بالآثار الناجمة عن السدود والتعدين؟ ولماذا تظل هذه المناطق تدفع فاتورة الحرب والسلم معًا؟
أقول للمدّعين بالتهميش: الحساب ولد.
جيش واحد، شعب واحد.

