مقالات

بالواضح.. محمد عثمان الرضي يكتب: الجنرال الذي يعمل في صمت… هل يُحارب النجاح في الخرطوم؟

◼️ لا تربطني به أي علاقة، لا خاصة ولا عامة، ولم ألتقِ به في حياتي، غير أنني ظللت أتابع أداءه عن كثب عبر وسائل الإعلام، فشدّني أسلوبه وأثار إعجابي نهجه العملي الصارم.

◼️ هو من طينة القادة الذين يفضلون الفعل على القول، قليل الحديث كثير الإنجاز، لا يؤجل عمل اليوم إلى الغد، يعمل بهمّة وتجرد وإتقان، ولا مكان في قاموسه للتسويف أو المماطلة.

◼️ عندما أُسندت إليه مهمة إعادة تأهيل مؤسسات العاصمة القومية الخرطوم عقب تحريرها، تعامل مع الملف بروح التحدي، واضعاً خطة واضحة المعالم، مدركاً حجم التعقيدات والتحديات التي تحيط بالمشهد.

◼️ لكن، وكما هي العادة في بيئات العمل المضطربة، لم يرق هذا الأداء للبعض؛ أولئك الذين لا يعملون ولا يتركون الآخرين يعملون. فبدأت محاولات التشويش، وتكاثرت المكائد لإعاقة مسيرته.

◼️ بلغت الحملة ضده حد اتهامه بتجاوز صلاحياته، بل وذهب البعض إلى القول إنه سحب البساط من تحت أقدام رئيس الوزراء كامل إدريس، وتولى مهامه التنفيذية، في محاولة واضحة لتشويه صورته أمام الرأي العام.

◼️ في خضم هذا الجدل، وجد الفريق بحري إبراهيم جابر، عضو مجلس السيادة، نفسه مضطراً للتراجع خطوة إلى الخلف، تاركاً الساحة لمجلس الوزراء ليتحمل مسؤولياته. غير أن النتيجة، كما يراها كثيرون، كانت مخيبة للآمال؛ فلا هم أنجزوا، ولا هم تركوا الرجل يعمل.

◼️ ورغم ذلك، مضى الجنرال جابر في طريقه، غير عابئ بالضجيج. فكانت أولى خطواته ضبط مظاهر التسلح داخل العاصمة، ووضع قيود صارمة على حركة منسوبي القوات النظامية، في محاولة لإعادة الانضباط وهيبة الدولة.

◼️ بالتوازي، شرع عملياً في تنفيذ خطته لإعادة الخدمات الأساسية، وإحياء المرافق الحيوية، محققاً تقدماً ملموساً وفق برنامج واضح وخطوات مدروسة.

◼️ ومن اللافت في منهجه اعتماده على العمل الميداني المباشر، حيث ظل يتفقد المواقع بنفسه، ويتابع تفاصيل التنفيذ على الأرض، الأمر الذي ساهم في تسريع وتيرة الإنجاز وتقليل التعقيدات البيروقراطية.

◼️ كما عمل على إعادة الانضباط المؤسسي داخل الأجهزة التنفيذية، من خلال فرض معايير واضحة للأداء والمساءلة، ما أدى إلى تحريك حالة الركود التي ظلت تسيطر على بعض المؤسسات لفترات طويلة.

◼️ ولم يغفل جانب التنسيق بين الجهات المختلفة، فسعى إلى خلق حالة من التكامل بين الأجهزة الأمنية والخدمية، بما يضمن استقرار الأوضاع وعودة الحياة تدريجياً إلى طبيعتها داخل العاصمة.

◼️ كذلك أولى اهتماماً خاصاً بملف النظافة وإصحاح البيئة، باعتباره مدخلاً أساسياً لعودة المواطنين، حيث بدأت بالفعل حملات ميدانية أعادت جزءاً من الوجه الحضاري للخرطوم.

◼️ الجنرال إبراهيم جابر ليس عسكرياً فحسب، بل هو متعدد المواهب والقدرات والمهارات؛ جمع بين الانضباط العسكري الصارم والمرونة التي لا تخل بالأداء، وبذلك أسّس لملامح مدرسة إدارية حديثة تمزج بين الحسم والكفاءة وحسن إدارة الموارد.

◼️ كما تنطبق عليه صفة رجل الدولة الذي يدرك معنى القيادة المتوازنة، خاصة بمهاراته العالية في إدارة الأزمات، ذلك الفن الذي أصبح علماً قائماً بذاته يُدرّس في المناهج التعليمية، لما له من أهمية في التعامل مع الظروف المعقدة واتخاذ القرارات الحاسمة في الوقت المناسب.

◼️ ورغم هذه الجهود، لا تزال التحديات قائمة، خاصة في ظل ضعف الإمكانيات وتداخل الصلاحيات، إلا أن الإصرار على المضي قدماً يعكس إرادة واضحة لتجاوز العقبات وتحقيق نتائج ملموسة.

◼️ ما يحدث اليوم في الخرطوم ليس مجرد صراع إداري أو تباين في وجهات النظر، بل هو اختبار حقيقي لإرادة الإصلاح: هل يُترك من يعمل ليكمل مهمته، أم تُجهض التجارب الجادة تحت وطأة الصراعات والمصالح الضيقة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى