مقالات

قبل أن تغادر.. م. خالد حسن إبراهيم يكتب: هل هو انهيار للجنيه أم انهيار لثقة المواطن في الحكومة؟

الأزمة الاقتصادية في بلادي لم تعد أرقاماً في تقرير، بل صارت وجعاً يومياً في كل بيت وفي كل أسرة. وبين انهيار الجنيه وتوقف التجار وإحباط المواطن، تتكشف الحقيقة المرة: ما نعيشه ليس أزمة عملة، بل أزمة ثقة.! ويظل السؤال يتردد في وجدان كل مواطن هل تثق في من يدير هذا البلد؟.

1- مسلسل الأزمات بلا نهاية
المواطن صار يحفظ جدول الأزمات أكثر من جدول الضرب… أزمة… خبز، وقود، غاز، دواء، ماء، كهرباء، مواصلات، ثم جنيه. تتكرر الوعود والشعارات “معاش الناس” وتتبخر بمجرد إطلاقها ويعاني المواطن شظف العيش وألم الحرمان وشقاء الحال…
القرارات الاقتصادية تُتخذ ليلاً وتُلغى نهاراً. رفع دعم، ثم إرجاعه، ثم تحرير، ثم تسعيرة….الخ لا خطة، لا رؤية، لا أفق غير “نعيش اليوم ونحل بُكرة”. وهكذا يمشي الاقتصاد للخلف خطوتين مقابل كل نصف خطوة للأمام.

2- الجنيه ..هل مات أم اغتيل؟
الجنيه لم ينهار فجأة. قُتل ببطء بسكين طباعة بلا إنتاج، وعجز موازنة يُغطى بالورق، وتهريب موارد، ومضاربات سوق موازٍ بلا رادع. وإدارة اقتصاد غير كفؤة بخيانة مسؤولين موالين للعدو وبعملاء جنجويد في مفاصل الدولة …..!!
و الجنيه أصبح بلا ظهر يحميه..!! انهيار العملة هو العرض، والمرض الحقيقي هو غياب السياسة النقدية الواضحة وغياب هيمنة الدولة على مواردها. فالعملة القوية لا تُصنع في المطبعة، تُصنع في المصنع والمزرعة.

3- تخبط القرار.. قاتل الأسواق
أخطر ما يقتل الاقتصاد ليس الغلاء، بل التخبط. تصريح من وزير يرفع السعر، وتصريح من محافظ يخفضه. قرار بتحرير، ثم تراجع تحت ضغط الشارع. التاجر في سوق ليبيا وسوق السجانة لا يعرف على أي سعر يبيع بضاعته غداً، فاختار الحل الأسلم: أغلق الدكان وانتظر. وهذا “الإضراب الصامت” أخطر من أي إضراب سياسي، لأنه يخنق السوق ويخلق الندرة ويشعل الأسعار ويقتل التنمية والاستقرار. عندما تفقد الحكومة بوصلتها، تضيع بوصلة السوق كلها .

4- المواطن.. من الصبر إلى اليأس
راتب الموظف صار “مصروف جيب” لا يكفي الأسبوع الأول من الشهر. الأب عاجز عن دفع رسوم المدرسة، والأم تحتار بين الدواء والطعام. الشاب الخريج يبيع شهادته ويشتري الدولار النازح متردد في العودة والأخطر أن الغضب تحوّل إلى استسلام ويأس. والشعب الذي يستسلم وييأس يتوقف عن الإنتاج، ويتوقف عن الحلم، ويتلاشى الإنتماء للوطن ويذبل الشعور به ويفكر المرء في المغادرة والإغتراب أو يبدأ بالهجرة حتى لو كان في بيته. وهذا هو الإفلاس الحقيقي للدولة.

5- الثقة.. العملة المفقودة
يمكن طباعة جنيه جديد، ويمكن استدانة دولار من الخارج، لكن لا يمكن طباعة “ثقة” في مزاد. المواطن لم يعد يصدق البيانات، ولا الوعود، ولا الأرقام الرسمية. وعندما يفقد المواطن الثقة، تتوقف عجلة الاقتصاد كلها. لأن الاقتصاد في النهاية سلوك جمعي مبني على توقع الغد. وإذا ماتت الثقة، مات التوقع، ومات الاقتصاد ومات الأمل يا حكومة الأمل !!.

يا سادة، الحل ليس في مطاردة تجار العملة في الشوارع، الحل في مطاردة أسباب الأزمة في مكاتب القرار. لا تطلبوا من المواطن أن يثق في الجنيه، اجعلوا الحكومة تستحق الثقة أولاً. الشفافية في الموارد، المحاسبة العلنية للفاسدين، إبعاد العملاء والفاشلين، اسناد الأمر للمختصين وأبناء الوطن المخلصين، استيعاب الكفاءات والخبرات وإيقاف الترضيات والمجاملات والمحاصصات، إيقاف رفاهية المسئولين ، ودعم الإنتاج والمنتجين هذه هي العملة الصعبة الحقيقية ويصبح السؤال ليس “كيف ننقذ الجنيه؟” السؤال هو ” كيف نعيد طباعة الثقة؟”.

والشعب الصابر يستحق قرارات حاسمة وإجابات صادقة لا وعود كاذبة أو شعارات براقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى