حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني: أمسكي عليك صفافيرك ديل

حاطب ليل.. دكتور عبد اللطيف البوني: أمسكي عليك صفافيرك ديل
(1)
هذه الحرب، وإن شئت الدقة هذا العدوان الذي وقع على الشعب السوداني، لم يكن عدواناً مثل سائر الاعتداءات، بل كان غريباً في شراسته، وفيما خلّفه وسيخلّفه من آثار.
لن نبالغ ونقول إنه لا مثيل له ولا سابق له في الدنيا، فالدنيا كانت وما زالت تعج بالإبادات الجماعية، والحروب ضد الإنسانية، وجرائم الحرب. هناك فظاعات ومآسٍ أكثر من تلك التي حدثت في السودان، ولكن إذا نظرنا إلى تاريخ السودان الحديث، وربما القديم، يمكن أن نقول إن حرب منتصف أبريل 2023 لم يكن لها مثيل في السودان.
أكرر: السودان، وليس ممالك ما قبل سودان محمد علي باشا.
فحملات الدفتردار الانتقامية، وحروبات المهدية، وكسرة كرري، كلها كانت أقل أثراً من الدمار والخراب الناجم عن الحرب الأخيرة.
هناك جدل حول الفترة المهدوية، فما حدث فيها يمكن مقارنته بما حدث بعد منتصف أبريل 2023، من حيث المنهج، ومن حيث الفقد في الأرواح، لدرجة أن بعضهم أرجع قلة سكان السودان مقارنة بجارتيه مصر وإثيوبيا للحكم المهدوي الذي مارسه الخليفة عبد الله، هذا إذا كانت مجاعة سنة ستة قد أسهمت فيها الدولة ساعتها.
لكن المهم أن عدوان منتصف أبريل 2023 كان أكثر فتكاً نسبة لشدة فتك السلاح المستخدم فيه، كما أن المكون الخارجي كان فيه كبيراً، ثم إن خراب المنشآت ونهب الممتلكات وضياعها كان كبيراً جداً لتطور أدوات السلب والنهب، وذلك بما لا يقارن بما حدث في أيام الدولة المهدوية، إذ كانت الحياة يومها بسيطة، والأعيان المدنية لا تكلفة تُذكر لها، بدليل أن التي أُقيمت على أنقاضها كانت متقدمة عليها بكثير.
(2)
اتساع حجم الدمار والخراب فيما جرى ويجري في السودان كان كبيراً، وكبيراً جداً، لذلك فإن أي حديث عن أن ما تم تدميره يمكن استعادته بسرعة، أو أنه لا يأخذ وقتاً، يعتبر ضرباً من ضروب الخداع، أو إذا أحسنا الظن نقول إنه نوع من التفكير الرغائبي، أو محاولة لمكافحة اليأس والقنوط.
في تقديري أن مواجهة الواقع مطلوبة، فالتشخيص السليم هو المفضي للعلاج السليم.
ولكن بالمقابل يمكننا القول إن التمسك بالأرض والوطن في أشده، فكل المواطنين الموجودين الآن على أرض السودان متمسكون ببلادهم، وليسوا في حالة تجهيز لنزوح جديد، بل يقولون إنهم لن يؤخذوا على غرة مرة أخرى.
الدولة من جانبها تسعى لحماية المواطن، وذلك باستعادة الجيش للمبادرة والتضييق على المعتدي، وقد قطعت في ذلك شوطاً مقدراً، وأظنها الآن قد فتحت الباب لإنهاء الحرابة بكافة الطرق المتاحة.
كما أنها تسعى لترميم مؤسساتها المدنية لمصلحة المواطن، وهنا يبرز السؤال: هل وضعت الدولة الخطة المناسبة لخدمة المواطن؟ وهل اختارت الكفاءات المناسبة للقيام بهذا الواجب؟ أم أن يدها مغلولة؟ وإذا كانت مغلولة، فمن الذي غلّها؟
(3)
إذن نحن أمام مواطن منهك، صابر، ذو إرادة قوية، وأمام دولة منهكة وراغبة في القيام بدورها.
الدولة والمواطن كلاهما منهك، أنهكتهما الحرب، وهذا متفق عليه، ولكن المواطن تفرد بأن لديه الإرادة، وهو يسعى جاهداً لتغيير واقعه، وبالتالي تغيير كل الواقع، بما فيه واقع الدولة.
ولكن، للأسف، الدولة هي التي تقف أمامه، وهي التي تكبل حركته.
الدولة هي التي تجني الأرباح من الجازولين المستورد، وهي تعلم أنه عصب الحياة، والمحرك الأساسي للإنتاج، وهو الذي يمكن الدولة فيما بعد من جني أرباح مضاعفة مما ينتجه المواطن.
لكن الدولة تريد حقها الآن “حديدة”، لأن الموظفين، بل والسياسيين القائمين عليها، لا يهمهم المستقبل، بل يعتقدون أن هذه فرصتهم ولن تتكرر قريباً.
إنهم ناس “حاضرة”.
انظروا إلى الطرق القومية وما فيها من صفافير وغرامات، هذه المركبات المنهكة بسبب الحرب يسيرها أصحابها بـ”الجلالة”، مع ارتفاع أسعار الوقود، وعدم توفر الإسبيرات، وطرق “زي الزفت”، فالمنظر كله “باقي كتلة”.
أقسم بالله العظيم، لو كنت مكان الدولة، لكرمت أي صاحب مركبة تعمل الآن، ولو في طريقه لدعمته مادياً.
إن المطاردة بالإيصالات التي تقوم بها أجهزة الدولة لن تؤخر التعافي فحسب، بل سوف تدمره نهائياً.
باختصار، الدولة لا “بتجدع”، ولا “بتجيب الحجار”، ولا تترك المواطن يفعل ذلك.
والكلام هنا يقيف في الحلق…
وابكوا مع المتنبي:
“عيدٌ بأيّة حالٍ عدت يا عيدُ
أبصفافيرك أم بأمرٍ فيك تجديدُ؟”

