تقارير

خفايا انتهاكات منجم (الجغرور) بجنوب كردفان (1)

نهب “الكرتة” بالقوة: اتهامات بتورط جهات نظامية

شهادات صادمة: ضرب وإعاقات دائمة وسط المعدنين
شركة “الدولية” تحت المجهر: استثمار أم غطاء للانتهاكات؟

تحقيق ومتابعة: أنور نمر

في واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في قطاع التعدين الأهلي بجنوب كردفان، تكشف “مسار برس” عبر هذا التحقيق عن تفاصيل صادمة لانتهاكات واسعة النطاق، يقول معدّنون إنها وقعت داخل منجم “الجغرور” بوحدة وكره، التابعة لمحلية التضامن، خلال السنوات الماضية.
القضية، التي بدأت بشكاوى متفرقة، تحولت إلى ملف متكامل من الاتهامات، يتصدرها الحديث عن نهب كميات ضخمة من مخلفات الذهب المعروفة محليًا بـ“الكرتة”، واعتداءات جسدية وانتهاكات جسيمة طالت عشرات المعدنين، في ظل اتهامات مباشرة لشركة تُعرف بـ“الدولية” وجهات نظامية.

نهب “الكرتة” بالقوة: اتهامات بتورط جهات نظامية

بحسب إفادات عدد من المعدنين، فإن الأحداث تعود إلى العام 2017، حينما تعرضت مواقع التعدين الأهلي بمنجم “الجغرور” لما وصفوه بـ“التغول المسلح”، حيث قامت قوة نظامية – قالوا إنها تتبع لقوات الدعم السريع آنذاك – بالاستيلاء على كميات كبيرة من “الكرتة.”
ويقدّر المعدنون الكميات المنهوبة بنحو (3600) قلاب، بقيمة تتجاوز 18 تريليون جنيه، مؤكدين أن العملية تمت بالقوة وتحت التهديد، دون أي إجراءات قانونية.

ويشير شهود إلى أن تلك الفترة شهدت اهتمامًا متزايدًا بالتعدين في المنطقة، تزامن مع زيارات رسمية، ما جعل المنطقة محط أنظار جهات متعددة، وسط غياب واضح للرقابة والتنظيم.

شهادات صادمة: ضرب وإعاقات دائمة وسط المعدنين

لم تتوقف الاتهامات عند حدود نهب الموارد، بل امتدت إلى انتهاكات إنسانية وصفها الضحايا بالقاسية.

يقول المواطن محمد حامد، وهو أحد المتضررين، إنه تعرض لاعتداء مباشر خلال تلك الأحداث، ما تسبب له – بحسب روايته – في عاهة مستديمة.

ويضيف أن عدداً من المعدنين تعرضوا للضرب والتعذيب، إلى جانب اعتقالات تعسفية داخل مواقع احتجاز غير رسمية، مشيرًا إلى أن بعض الحالات نتجت عنها إصابات خطيرة، شملت إعاقات دائمة ومضاعفات صحية بالغة.

ويؤكد متحدثون آخرون من أهالي المنطقة أن ما جرى لم يكن حوادث فردية، بل نمطًا متكررًا من الانتهاكات، تم باستخدام القوة والترهيب، وفي غياب أي حماية قانونية للمعدنين.

أضرار بيئية ومخاوف صحية متزايدة

إلى جانب الانتهاكات الأمنية، يطرح سكان المنطقة مخاوف متزايدة بشأن الأثر البيئي لأنشطة التعدين، خاصة استخدام مواد كيميائية خطرة مثل “السيانيد.”

ويقول الشيخ إسماعيل حمد الزاكي، أحد قيادات المجتمع المحلي، إن استخدام هذه المواد تسبب في أضرار بيئية مباشرة، انعكست على صحة المواطنين والبيئة المحيطة، مشيرًا إلى غياب أي رقابة أو التزام بالمعايير البيئية.

ويضيف أن المجتمعات المحلية كانت تتوقع من الشركات العاملة تقديم خدمات في إطار المسؤولية المجتمعية، غير أن الواقع – بحسب قوله – جاء معاكسًا تمامًا.

شركة “الدولية” تحت المجهر: استثمار أم غطاء؟

تتجه أصابع الاتهام في هذه القضية نحو شركة تُعرف بـ“الدولية”، حيث يؤكد معدّنون ومحامون أن هذه الشركة لعبت دورًا محوريًا في الأحداث.

ووفقًا لمصادر وصفت بأنها مطلعة، فإن الشركة لا تملك وجودًا رسميًا واضحًا في السجلات، ما يثير تساؤلات حول طبيعة نشاطها القانوني، والجهات التي تقف خلفها.

ويرى متابعون أن غياب الشفافية حول الشركة، إلى جانب حجم الاتهامات الموجهة لها، يعزز الشكوك بشأن كونها غطاءً لعمليات تتجاوز الاستثمار التقليدي في قطاع التعدين.

حجز قضائي ومعركة لاسترداد الحقوق

في المقابل، بدأت القضية تأخذ مسارًا قانونيًا، حيث كشف المحامي محمد حموده، ممثل عدد من المعدنين، أن القضاء أصدر قرارًا بحجز كميات “الكرتة” المتنازع عليها.

وأوضح أن هذه الكميات – التي تُقدّر قيمتها بأكثر من 18 تريليون جنيه – تم التحفظ عليها لصالح المعدنين، في خطوة اعتبرها تطورًا مهمًا في مسار القضية.

وأشار إلى أن الاعتداءات التي تعرض لها المعدنون، بما فيها الضرب والانتهاكات، تمت – بحسب ما وصفه – “بتحريض من الشركة”، مؤكدًا أن الإجراءات القانونية لا تزال مستمرة.

وأعرب عن ثقته في أن القضاء سينصف المتضررين، وأن حقوقهم ستعود في نهاية المطاف، خاصة في ظل المتغيرات التي يشهدها المشهد العام في البلاد.

ملف مفتوح على مزيد من الشهادات

قصة محمد حامد، القادمة من قرية “الكرنك”، ليست سوى واحدة من عشرات الروايات التي بدأت تتكشف.

وفيما تستمر التحقيقات، وتُفتح ملفات جديدة، تبقى قضية منجم “الجغرور” نموذجًا معقدًا لتداخل الاقتصاد غير المنظم، مع النفوذ، في واحدة من أكثر مناطق السودان هشاشة.

هذا التحقيق هو الجزء الأول من سلسلة، تواصل “اليقظة” من خلالها كشف مزيد من التفاصيل، والشهادات، والوقائع المرتبطة بهذه القضية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى