وجه الحقيقة.. إبراهيم شقلاوي يكتب: حماية المستهلك أم حماية السوق؟

في العشرين من مايو من كل عام، يتم الإحتفال بـاليوم العالمي للقياس وضبط معاير الجودة “المترولوجيا” ، وهي مناسبة ترتبط بحياة الناس اليومية، وبمستقبل الاقتصاد، وبقدرة الدول على بناء الثقة بين المواطن والحكومة. فالقياس وضبط المعايرة والجودة ، ليس مجرد معامل وأجهزة، وإنما هو فلسفة حكم، ومنهج إدارة، وأحد أهم أعمدة الدولة الحديثة.
وفي السودان، يكتسب الاحتفال هذا العام معنىً استثنائيًا، لأنه يأتي في لحظة تاريخية تعيشها البلاد متمثلة في تحديات الحرب و تطلعات إعادة الإعمار، كما تتعاظم فيها الحاجة إلى بناء مؤسسات قادرة على استعادة ثقة المواطن، وترميم ما أفسدته سنوات الحرب. ومن هنا تبدو المترولوجيا، أو علم القياس كما يعرفه أهل الاختصاص، أكثر من مجرد تخصص فني، إنها لغة العدالة الاقتصادية، وحارس الشفافية وقيم المعاملات، والبنية الصلبة التي تستند إليها الأسواق والخدمات.
وفي هذا السياق، يكتسب هذا المقال امتدادًا طبيعيًا لمقال سابق من سلسلة وجه الحقيقة والذي جاء تحت عنوان “حكاية نظام قتل صاحبه”، حيث انفتح النقاش حينها على سؤال الأمن الغذائي وحدود مسؤولية المؤسسات الرقابية في حماية ما يصل إلى موائد الناس، وأهمية أن يعرف المواطن كيف يحفظ حقه. وهي أسئلة لا تزال أكثر إلحاحًا اليوم في ظل تعقيدات الواقع السوداني بعد الحرب وتداخل الحاجة مع ضعف أدوات الضبط.
وقد أكد هذا المعنى ما أوضحته مدير عام الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس الأستاذة رحبة سعيد عبد الله، في كلمتها بالمناسبة من أن المترولوجيا تمثل ركيزة أساسية في عملية التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، وأن إعادة تأهيل المختبرات الوطنية ووحدات الدمغ، إلى جانب الالتزام بالتحول نحو أنظمة قياس دقيقة منسجمة مع المعايير الدولية، يمثل جزء من بناء الثقة العامة وحماية مدخرات المواطنين وضمان عدالة السوق وجودة الخدمات. وهي رؤية تعكس إدراكًا جيدآ بأن استعادة الدولة تبدأ من ضبط التفاصيل الصغيرة الأساسية التي تصنع الحياة اليومية.
غير أن جوهر الأزمة يكمن في اتساع الفجوة بين وجود المؤسسات وصعوبة الوصول إليها. وهنا تتقدم إشكالية الاتصال المباشر مع المواطن كأحد أهم عناصر الفاعلية الرقابية، لأن الرقابة التي لا تُستدعى عند الحاجة تفقد معناها. ومن هنا جاءت أهمية ما دار من تواصل بيني وبين خبير شؤون المستهلك بالمواصفات الدكتور هيثم حسن عبد السلام، حيث اتفقنا علي أهمية التأكيد على أن فعالية أي منظومة حماية لا تُقاس بحضورها الإعلامي أو الإداري فقط، بل بقدرتها على الاستجابة السريعة لشكاوى الناس، وتحويل البلاغ الفردي إلى فعل رقابي يحفظ حقوق المواطن.
إن هذا البعد يكشف أن حماية المستهلك لا تتحقق عبر التشريعات وحدها، بل عبر شبكة متكاملة تبدأ من الوعي وتنتهي عند سرعة الاستجابة، حيث تصبح الخطوط الساخنة وأرقام الطوارئ أدوات مركزية في هذه المعادلة.
لذلك يجب أن يعرف المواطن أن هناك رقمًا مباشرًا يمكنه من خلاله الإبلاغ عن سلعة فاسدة أو مخالفة، فإن ذلك لا يعزز فقط الرقابة، بل يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع على أسس عملية، لا دعائية . وهنا تتجلى أهمية إبراز قنوات الاتصال لهذه الأرقام (5960) لشكاوى المستهلك و(1312) لخدمات العملاء، باعتبارها بنية تحتية مهمة للثقة والحماية.
لقد أثبتت التجربة خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص في ظل الحرب، أن الأسواق حين تُترك بلا ضابط، تتحول إلى فضاءات هشّة تتداخل فيها الحاجة مع الاستغلال، ويصبح المستهلك الحلقة الأضعف في المعادلة. ومن هنا فإن حماية السوق وحدها، بوصفها مساحة للعرض والطلب، لا تكفي لضمان العدالة، لأن السوق بطبيعته يميل إلى الربح، بينما يميل المجتمع إلى الحماية. وحين تغيب الموازنة بين الطرفين، تتراجع الثقة العامة، ويبدأ المواطن في البحث عن بدائل فردية خارج الأطر الحاكمة.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية هذا اليوم كمنظومة للمواصفات، فرصة لإعادة تعريف وظيفة القياس داخل الدولة، باعتباره أداة لضبط العدالة الاقتصادية والاجتماعية. فالطرق والجسور والمباني، كما الأسواق والغذاء والدواء والصحة، كلها تبدأ من معيار دقيق، وأي خلل في هذا المعيار، قد ينتج ظلمًا اجتماعيًا أو خطرًا صحيًا مباشرًا علي حياة الناس.
ولعل ما يمنح هذا السياق عمقه الحقيقي هو البعد الأخلاقي والديني الذي يربط بين القياس وإقامة الوزن بالقسط، وهو بعد ليس جديدًا على الوعي الإنساني، لكنه يكتسب في لحظة الاضطراب معنى مضاعفًا. فالدقة، شرطًا للإنصاف، والميزان ليس أداة تجارية فقط، بل رمز لاستقامة الحياة العامة. وأي خلل في منظومة القياس هو في جوهره خلل في العدالة والقيم .
بحسب #وجه_الحقيقة ، اليوم لم تعد معركة بناء الدولة تُخاض في السياسة والاقتصاد وحدهما، بل في تفاصيل الحياة اليومية، من الغذاء والدواء إلى السلع المتداولة في الأسواق، بوصفها اختبارًا لقدرة الدولة على حماية معاش المواطن . ومن هنا تصبح أنظمة القياس والمعايرة، جزءًا من السيادة وهذا ما قصدنا الإشارة له : “حماية المستهلك أم حماية السوق؟”، ففي الدول الخارجة من النزاعات لا يتحقق الاستقرار إلا بحماية الأثنين معًا.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 21 مايو 2026 م
Shglawi55@gmail.com
#حماية_المستهلك
#حماية_السوق
#المواصفات_والمقاييس
#المترولوجيا
#ضبط_الجودة
#الأمن_الغذائي
#العدالة_الاقتصادية
#إعادة_الإعمار
#إبراهيم_شقلاوي

