محمد عثمان الرضي يكتب: المسيد والتكية.. حين واجهت أم درمان الحرب بالقرآن والخبز

للحروب وجهٌ آخر لا تراه الخرائط العسكرية ولا تسجله بيانات الجيوش. وجهٌ تختبئ خلفه حكايات الناس حين يفقدون البيوت، ويبحثون عن سقفٍ يقيهم الخوف، ولقمةٍ تسند الجوع، ودواءٍ يرد عن أجسادهم وجعاً لا يعرف هدنة. وفي أم درمان، المدينة التي طالما كانت شاهدةً على تحولات السودان الكبرى، بقي بابٌ مفتوحاً حين أُغلقت أبواب كثيرة، وكان ذلك الباب هو مسيد الشيخ الأمين عمر الأمين.
دخلنا المسيد بدعوة من الشيخ الأمين، فإذا بنا أمام مكانٍ لم تترك الحرب وظيفته القديمة كما هي، بل دفعت به إلى وظيفة أوسع. هنا يُتلى القرآن ويُعلَّم، وهناك تُفتح أبواب التكية للطعام والشراب، وبينهما يتحرك الناس في صمتٍ يشبه صمت الذين اعتادوا خدمة الآخرين من غير انتظار ضجيجٍ حول ما يفعلون.
وفي اللسان السوداني، للمسيد معنى يتجاوز جدران المكان؛ فهو موضع تعليم القرآن وعلومه، والعبادة والذكر والتربية. أما التكية فهي موضع إطعام الناس وإغاثة المحتاجين، وقد عُرفت في وجدان السودانيين بوصفها باباً من أبواب التكافل. وحين اجتمعت الوظيفتان في زمن الحرب، لم يعد المسيد مكاناً للتعليم وحده، ولا التكية مطبخاً للفقراء وحدهم؛ صار الاثنان معاً ملجأً للإنسان في ساعة المحنة.
فتحت الأبواب للأيتام، وكبار السن، والنساء والأطفال، والمدنيين الذين دفعتهم الحرب بعيداً عن بيوتهم. وجد هؤلاء في المسيد سقفاً حين غاب السقف، وطعاماً حين شح الطعام، وشراباً وملبساً حين أصبحت الأشياء البسيطة من ضرورات الحياة التي يصعب الوصول إليها. ولم تكن تلك الأبواب تفتح في أوقات الهدوء، بل في زمنٍ كان صوت القذيفة قادراً على قطع الطريق بين الإنسان وحاجته.
كانت التكية تعمل بينما كانت الحرب تعمل في الاتجاه المعاكس. واحدةٌ تبني ما تهدمه الأخرى؛ هي تقدم الطعام، والحرب تصنع الجوع، هي تمنح المأوى، والحرب تصنع النزوح، هي توفر الدواء، والحرب تفتح أبواب المرض والإصابة. ومن هذه المفارقة خرج معنى إنساني بالغ الدلالة: أن يقاوم الإنسان آثار الحرب بما يستطيع، حتى ولو لم يكن يحمل في يده سوى رغيفٍ أو دواء.
ولم يتوقف الأمر عند الطعام والمأوى. فقد انخرط متطوعون من أتباع الشيخ الأمين، بينهم أطباء وكوادر طبية، في علاج المرضى والمصابين، وإجلاء الجرحى، وإجراء العمليات الجراحية، ودفن جثامين الذين قضوا في الحرب. وكانت ابنة الشيخ الأمين إلى جواره طوال الحرب،
مشاركة في العمل الطبي والخدمة الإنسانية، في مشهدٍ أصبح فيه المسيد أقرب إلى خلية حياة وسط مدينة تحاصرها أسباب الموت.
وكل ذلك جرى مجاناً. طعام وشراب ودواء وعلاج ومأوى، بلا فاتورة تُدفع للفقير، ولا سؤال يُطرح على النازح عن قدرته على السداد. وكان الشيخ الأمين، بحسب ما رواه لنا، يتحمل جميع نفقات هذه الخدمات من ماله الخاص، من دون دعم مالي محلي أو أجنبي.
والأكثر دلالة أن الرجل ظل داخل السودان طوال الحرب. لم يغادر البلاد، ولم يبحث لنفسه عن مكان أكثر أمناً خارج الحدود، بينما ظل المسيد في أم درمان مفتوحاً للناس. وحتى الجهات التي زارت المكان وعرضت تقديم الدعم، ومن بينها الحكومة السودانية ومجلس السيادة ومنظمات أجنبية، رفض الشيخ الأمين وفق روايته أن يتلقى منها دعماً مالياً لهذا العمل.
هنا تصبح الحكاية أكبر من رجلٍ ومسيدٍ وتكية. إنها صورة من صور السودان حين تختبره المحن، فيظهر ما في مجتمعه من قيم قديمة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. فالكرم السوداني لا يحتاج إلى منصة، والتكافل لا يحتاج إلى مؤتمر، وإغاثة الملهوف لا تحتاج إلى بيان صحفي؛ يكفي أن يطرق المحتاج الباب، فيجد من يفتحه.
وللجغرافيا في هذه الحكاية كلمة لا ينبغي تجاوزها. فالشيخ الأمين عمر الأمين ينحدر من جزيرة لبب بالولاية الشمالية، بالقرب من دنقلا عاصمة الولاية، وهي الجغرافيا التي ارتبط بها أيضاً نسب الإمام الراحل محمد أحمد المهدي. ومن تلك البيئة الشمالية التي تختزن في ترابها صفحات كثيفة من التاريخ السوداني، جاءت الجذور إلى أم درمان؛ إلى المدينة التي كانت في قلب الحرب، وإلى مسيد أصبح واحداً من عناوين الصمود الاجتماعي في زمن النزوح.
وفي زمن الحرب، لا تبقى الجغرافيا مجرد أسماء على خارطة. لبب، دنقلا، أم درمان تتحول إلى خطٍ ممتد في ذاكرة السودانيين؛ شمالٌ يرسل أبناءه إلى العاصمة، وعاصمةٌ تبتلعها الحرب، وناسٌ يتحركون من مكان إلى آخر بحثاً عن الأمن. وهكذا التقت جغرافيا الأصل بجغرافيا الحرب، ولم يعد السؤال من أين جاء الرجل، وإنما ماذا فعل حين وصلت الحرب إلى المكان الذي اختار أن يعيش فيه.
ومن الجغرافيا ذاتها التي ارتبطت تاريخياً بالإمام محمد أحمد المهدي، جاءت شخصية الشيخ الأمين إلى أم درمان في زمن مختلف ومواجهة مختلفة. الإمام المهدي قاد في القرن التاسع عشر مشروعاً ثورياً واسعاً ارتبط في رؤيته بالإصلاح والتصحيح، بينما وجد الشيخ الأمين نفسه أمام امتحان من نوع آخر: حربٌ حديثة لا تُواجه بالثورة المسلحة، وإنما بما يستطيع الإنسان أن يقدمه للناس من غذاء ودواء ومأوى وتعليم.
وليس في ذلك مقارنة بين الرجلين ولا بين مشروعين تاريخيين مختلفين، وإنما في الأمر مفارقة تستحق التأمل: أن تعبر فكرة الإصلاح من جغرافيا واحدة عبر أكثر من زمن، فتأخذ في كل عصر صورتها الخاصة. هناك ثورة واجهت واقعاً تاريخياً بأدوات عصرها، وهنا تجربة دينية واجتماعية تحاول أن تجعل من المسيد والتكية وسيلتين لحماية الإنسان في قلب حربٍ معاصرة.
ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي تكشفه تجربة الشيخ الأمين؛ فالتصوف حين يخرج من حدود الممارسة الروحية إلى خدمة المجتمع، يصبح أمام امتحان حقيقي. الذكر وحده لا يطعم جائعاً، والدعاء وحده لا يعالج جريحاً، والكلمات الجميلة لا تمنح نازحاً سقفاً. أما حين يتحول الإيمان إلى طعام ودواء ومأوى وعمل، يصبح أثره مرئياً في حياة الناس.
وقد تختلف الآراء حول الشيخ الأمين وتجربته ومنهجه، كما تختلف المدارس والقراءات داخل الحياة الدينية السودانية. لكن الحرب وضعت جانباً من هذه الاختلافات أمام معيار عملي بسيط: ماذا فعل المسيد حين احتاج الناس إليه؟ ومن هنا تصبح الشهادة للجهد الإنساني منفصلة عن الموقف من الأشخاص أو المدارس، لأن الجائع لا يسأل عن التصنيف قبل أن يأكل، والمريض لا يفتش عن المذهب قبل أن يتلقى العلاج.
أم درمان نفسها تضيف إلى الحكاية بعداً آخر. مدينة التاريخ والذاكرة، المدينة التي ارتبط اسمها بالمهدي وبالدولة المهدية، وجدت نفسها مرة أخرى في قلب حدثٍ سوداني كبير، ولكن في حرب مختلفة وأدوات مختلفة. وفي أحد أحيائها القديمة، ظل المسيد يؤدي وظيفته في مواجهة واقع جديد، بينما التكية تستعيد دوراً بدا كأنه صفحة من صفحات السودان القديم عادت لتُكتب في زمن حديث.
لقد كشفت الحرب أن المؤسسات الرسمية، مهما بلغت قدرتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل كل أعباء المجتمع حين تتسع الكارثة. عندها تظهر المبادرات الأهلية والدينية والاجتماعية، لا بوصفها بديلاً دائماً عن الدولة، وإنما باعتبارها سنداً للمجتمع في اللحظة التي تتجاوز فيها الحاجة قدرة المؤسسات.
ومن هنا فإن قصة المسيد والتكية ليست قصة طعامٍ وشراب فقط، ولا قصة شيخٍ وأتباعه، بل قصة مجتمعٍ يحاول أن يحتفظ بإنسانيته وسط الخراب. فحين تُنتزع البيوت من أصحابها، يصبح المأوى فعلاً من أفعال الكرامة، وحين ينقطع الطعام، تصبح اللقمة موقفاً أخلاقياً، وحين تنتشر الإصابة والمرض، يصبح الدواء شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية.
وبينما كانت الحرب ترسم في الخرائط خطوطاً للسيطرة والانسحاب والتقدم، كان المسيد يرسم خريطة أخرى لا تعرف إلا الإنسان. لا تسأل من أي جهة جاء، ولا من أي منطقة نزح، ولا كم يملك في جيبه؛ يكفي أنه محتاج. وهنا تحديداً تكمن قيمة التكية: أنها تختصر المسافة بين الإنسان وحاجته.
من أرضٍ ارتبطت في الذاكرة السودانية بثورة المهدي، جاء رجلٌ ليواجه آثار حرب أخرى لا بالسلاح، وإنما بالمسيد والتكية؛ القرآن في مواجهة الخوف، والطعام في مواجهة الجوع، والدواء في مواجهة المرض، والمأوى في مواجهة النزوح. إنها جغرافيا واحدة تتغير فيها الأزمنة، لكن يبقى الإنسان السوداني في قلب الحكاية.
وربما لهذا ستبقى بعض الأمكنة في ذاكرة الحروب أطول من بقاء آثار القذائف على الجدران. فالقذيفة تهدم حجراً، لكن فعل الخير يبني ذاكرة. والبيت قد يعود بعد الحرب، والشارع قد يُعاد إعمارُه، والمدينة قد تستعيد أصواتها، لكن الذين وجدوا في زمن الخوف طعاماً ومأوى ودواءً لن ينسوا بسهولة المكان الذي فتح لهم بابه.
وحين تنتهي الحرب، ستُكتب قصتها بالمعارك والجيوش والخرائط، وستُحفظ تواريخها في الوثائق والسجلات. لكن هناك تاريخاً آخر لا تكتبه البيانات الرسمية؛ تاريخ الناس الذين أطعموا الناس، وآووا الخائفين، وعالجوا المرضى، ودفنوا الموتى، وعلّموا الأطفال القرآن، وظلوا واقفين حيث كان الرحيل أسهل من البقاء.
وحين كانت المدافع تفتح أبواب الموت، كان هذا المسيد يفتح أبواب الحياة؛ وحين كان الخراب يتسع في الخارج، كانت التكية تختصر معنى السودان القديم: أن يُكرم الجائع، ويُؤوى الخائف، ويُعالج المريض، ويُعلَّم القرآن. هناك، في أم درمان، لم يكن المسيد مجرد مكانٍ للعبادة، ولم تكن التكية مجرد مطبخ؛ كانا معاً شاهداً على أن الإنسان يستطيع، حتى في قلب الحرب، أن ينتصر على بعض آثارها بفعلٍ بسيط وعظيم: أن يخدم إنساناً آخر.

