دولة القانون.. د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب: أزمة الدولار (1)

ليست كل أزمة تُحلّ بتكتيك المعارضة المطلقة، ولا كل سلطة تسقط بسقوطها أسباب الأزمة التي صنعتها. ففي السودان، حيث تتواصل الحرب وتتعطل مؤسسات الدولة وتتآكل مقومات الحياة، يبدو الاعتقاد بإمكانية إحداث تغيير سياسي حاسم دون توافق وطني وكأننا نريد إنقاذ البيت بإشعال النار في ما تبقى منه. وحين وعد حميدتي بصرع الدولار من قرونه، اختُزلت أزمة اقتصاد بأكمله في مبارزة خطابية مع عملة أجنبية. لكن الدولار ليس خصماً سياسياً يُهزم بالشعارات، بل مرآة تعكس قدرة الأمة على ترتيب الأولويات وزيادة الإنتاج والتصدير، وتوفير النقد الأجنبي، واستعادة الثقة في اقتصادها وعملتها. وهنا يبرز السؤال: كيف نعالج الأزمة الاقتصادية بينما تستمر الحرب، وتتعدد مراكز القرار، ويظل السودانيون عاجزين عن الاتفاق على الحد الأدنى من أساسيات وجودهم؟.
لم تبدأ أزمة الدولار مع الحرب، وإن كانت الحرب قد ضاعفتها إلى حدود تهدد قدرة الدولة على الاستمرار. فجذورها تمتد إلى عقود من السياسات التي قدّمت الاعتبارات السياسية والأمنية والأيديولوجية على الإنتاج والكفاءة، من تجارب التأميم في عهد النميري إلى سياسات نظام الثلاثين من يونيو البائد، وصولاً إلى حرب دمّرت المصانع والأسواق والبنية الأساسية وضيّقت موارد الصادرات والتحويلات والاستثمار. وفي ظل هذه الأوضاع، فإن الرهان على ثورة أثناء الحرب دون تصور وطني متوافق عليه لما بعدها، قد يفضي إلى إطالة الصراع وتفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة، بدلاً من إنقاذ المواطن. وليس معنى ذلك التخلي عن التغيير أو تبرئة المسؤولين عن الأزمة، وإنما إدراك أن الأولوية اليوم هي إنهاء أسباب الحرب، وحماية وحدة البلاد، والتوافق على برنامج عاجل للتعافي، مع إبقاء المساءلة والانتقال المدني الديمقراطي ضمن أهدافه الواضحة.
من هنا، تصبح التهيئة للحوار السوداني ـ السوداني ضرورة اقتصادية وسياسية، لا ترفاً ولا مناورة لتقاسم السلطة. فالتوافق على إنهاء أسباب الحروب، وحماية الإنتاج، وترشيد الاستيراد، وتقديم الغذاء والدواء ومدخلات الإنتاج والطاقة ومستلزمات إعادة الإعمار، يمكن أن يشكل بداية برنامج وطني لإدارة النقد الأجنبي، يتضمن حوافز لتوريد العملات عبر المصارف، وتشجيع الصادرات وتحويلات المغتربين،
ومراجعة الإعفاءات، مع ضمان ألا يتحمل محدودو الدخل وحدهم كلفة الإصلاح. لكن من يضع هذا البرنامج؟ ومن ينفذه ويراقبه؟ وكيف نضمن ألا يتحول الحوار إلى محاصصة جديدة، بل إلى توافق على إنقاذ الدولة وتهيئة انتقال سياسي مسؤول؟ إن الحوار لا يشترط اتفاق السودانيين على كل شيء؛ بل أن يتفقوا على ما يمنع انهيار وطنهم، ويتركوا التنافس السياسي ليُحسم سلمياً عبر الإرادة الشعبية. وذلك هو المدخل إلى معالجة أزمة الدولار، قبل أن تصبح أزمة الدولة نفسها. غداً بحول الله سنواصل المقترحات والحلول لأزمة الدولار.
الخرطوم 9 أكتوبر 2026

